ليس من الواقعية أن نتوقع توقف السجالات والحملات السياسية في لبنان بحجة أن الكل في حكومة واحدة. فلا هي مجرد تعبير عن تعكر الأمزجة واختلاف الكيمياء بمقدار كونها أسلحة في صدام خيارات متناقضة وخلافات حقيقية على مستوى لبنان والمنطقة. ولا ما تغير في الشكل بعد تأليف الحكومة تبدل في الجوهر عما كان عليه قبل الانتخابات النيابية وخلالها وعلى مدى أزمة التأليف. حتى الحوار الوطني بهيئته الجديدة كما القديمة، فإنه يبدو عرضاً جانبياً بين فصول مسرحية سجالية.
ذلك أن الخطاب الرسمي وحتى الشعبي محكوم بالتحرك على خطين: واحد ملموس هو الحفاظ على الاستقرار الذي صار أقصى الممكن والمحطة الإجبارية والضرورية للأمل بأي تحسن في الوضع. وآخر افتراضي مملوء بالشعارات والوعود والأحلام حول الإصلاح والرهان على خلق دينامية للتغيير. لكن من الوهم التصور أننا في (ستاتيكو) جامد نستطيع الحفاظ عليه الى أن تسمح الظروف بالجمع بين الاستقرار والتطور السياسي الديمقراطي والتنموي. فنحن عملياً في (ستاتيكو) متحرك في هدوء، وسط ضجيج السجالات. وهو، مع الأسف، تحرك الى الوراء، لا الى الأمام.
وليس أخطر من البقاء في (الستاتيكو) سوى الخروج الملتبس منه. فالكل يتحدث عن خطر حرب يشنها العدو الاسرائيلي وعن الحاجة الى الوحدة الوطنية لمواجهة أي اعتداء، سواء كانت الحرب مستبعدة حالياً أو قابلة للإشتعال في أية لحظة تفرضها حسابات إقليمية ودولية في صراعات أكبر من لبنان. والكل يدعو الى استعجال الاتفاق على استراتيجية دفاعية لا تزال متعثرة بالخلاف بين رؤيتين ومحكومة بصعوبة الخروج من الأمر الواقع. وهو خلاف بين مَن يسلم باستمرار الظروف التي قادت الى (خصخصة) الدفاع عن لبنان ونجاح التجربة التي تولى حزب الله المسؤولية عنها وبين مَن يريد العودة الى الوضع الطبيعي في أية دولة وهو (تأميم) الدفاع عنها عبر تحمل الدولة المسؤولية الكاملة.
لكن الحرب ليست الخطر الوحيد على لبنان، بصرف النظر عن الرهان على (توازن الرعب) والحديث عن (الحرب الشاملة) لمواجهة اعتداء اسرائيل على أي طرف. فما يحدث هو تبدل منهجي بطيء في تركيبة الوضع اللبناني في العمق مع بقاء التركيبة الرسمية في المؤسسات على حالها في الشكل. وليس ذلك خطراً عادياً. وما لا يحدث هو الوفاق الوطني الحقيقي الذي ينقلنا من (الستاتيكو) والصراع على السلطة في داخلها الى بناء الدولة التي تحمي لبنان وتضمن للبنانيين ممارسة الديمقراطية بالمعنى الحقيقي والعيش في ظل القانون ومعالجة قضاياهم الملحة مع التقدم الى الأمام في الازدهار.
ومن هنا يبدأ الحوار.