مما لا شك فيه ان النائب وليد جنبلاط بدأ منذ تكليف الامير طلال ارسلان انهاء ذيول الاحداث الدامية في الجبل، التي اندلعت بين مقاتلين من حزب الله ومناصرين للزعيم الدرزي وعرفت باحداث 7 أيار 2007، يفكر في مراحل خريطة طريق «لتكويعة» حادة جداً، تبعده عن 14 آذار ورموزها، وتأخذه مجدداً الى الضاحية الجنوبية، ومنها يعبر الى دمشق، بدلاً من مرافقة حلفائه في انتفاضة الاستقلال في عبورهم الى الدولة.
البعض في 14 آذار وخصوصاً من هم على صداقة مع الزعيم الجنبلاطي، اعتبروا يومها ان حليفهم الخائف على الدماء المراقة ان تستسقي دماء اكثر نزفاً، فيلبس لبنان، الاسود مجدداً، وفي الطليعة جبل لبنان، سوف يميل مع العاصفة الآتية، حتى تهدأ ليعود ويتموضع في مكانه الذي اختاره طوعاً في 14 شباط 2005، الاّ ان الرجل المفجوع بالموقف العربي والاميركي والاوروبي، الذي اغمض عينيه واذنيه عمّا يحدث في لبنان، ووقف عاجزاً عن حماية من كان رأس حربة في ثورة الارز، كان له رأي اخر وموقف مختلف، وقرر ان يعود الى احضان، أشعرته بالامان والاطمئنان والحماية لحوالى ثمان وعشرين سنة، كان في خلالها الامير المتوّج على الجبل ولبنان، وبدأ رحلة العودة في خطابه الذي القاه في اجتماع لحزبه الاشتراكي، بتطيير رسائل ايجابية الى سوريا والى حلفائها في لبنان، الذين كانوا في يوم من الايام اعزّ الحلفاء، بعدما سبق له ورمى عددا من «الفتّيشات» الجنبلاطية والتي تناول بها حلفاءه في انتفاضة 14 آذار.
جماعة 8 آذار لم يقبضوا سريعاً التحوّل الجنبلاطي، رغم انه كان حلماً يريدون تحقيقه، وامنية يعملون لتصبح واقعاً، واتفقوا مع دمشق على هذا الموقف، وهي المعروفة بالصبر والانتظار والترقّب والمراقبة، فعمد جنبلاط، بهدف تطمين المترددين وكسب ثقتهم الى تحويل مسيرته من خطوات عادية الى هرولة، وكان مع فتح كل باب جديد باتجاه دمشق، يغلق باباً مع تكتل 14 آذار، ويترك طاقة صغيرة مفتوحة على رئيس الحكومة سعد الحريري، وعندما نضجت الطبخة الجنبلاطية، كان لقاؤه السبت الماضي مع سوريا على شاشة «الجزيرة»، وفتحت امامه طريق الشام وابواب دمشق وقصر المهاجرين، بعدما قطع عرّاب المصالحة السيد حسن نصرالله كل تأويل او تفسير او اجتهاد لكلام جنبلاط، وبشّره بأن درب العودة الى الحضن السوري سالك وآمن.
* * * * *
لاول مرة، ربما، منذ استشهاد والده المعلم كمال جنبلاط، لا يضع وليد جنبلاط زهرة حمراء على ضريح والده، التزاماً بما أعلنه انه سامح ونسي، انما هذا الموقف – على ما نقل عن انصار وحلفاء واصدقاء للشهيد كمال جنبلاط ولأبي تيمور – لم يكن مريحاً لهم ولا مقبولاً منهم، ليس لأن وليد جنبلاط ترك 14 آذار وتصالح مع خصومه ومع دمشق، بل لانه كان بامكانه ان يقوم بكل هذه الخطوات وربما اكثر منها، ولكن دون ان يدفع هذا الثمن الكبير، من مواقف وخطوات وتنازلات، بعضها لا يليق بمن هو بمكانة وليد جنبلاط، ويذكّر هؤلاء بأن العماد ميشال عون حارب السوريين وقتل من جيشهم وقتلوا من جيشه، وشتمهم واهانهم، وشتموه واهانوه، ونفوه لعقد ونصف العقد من الزمن، ومع ذلك، وعندما تمّت المصالحة معه، ذهب الى دمشق بطائرة الرئيس بشار الأسد الخاصة، واستقبل استقبال الرؤساء، ولم يظهر – على أقلّه في العلن – ان شروطاً معيّنة فرضت عليه لتستقبله سوريا، كما حصل مع النائب جنبلاط.
من جهة اخرى، نقل عن قيادي في 14 آذار، عدم اقتناعه بالمبررات التي اعطاها جنبلاط لعودته الى ما قبل 14 شباط 2005، لأن «جريمة» جنبلاط الوحيدة هي التعابير والاوصاف التي وردت في خطابه في ذكرى 14 آذار 2007، وكان يمكن لجنبلاط – وفق القيادي – ان يعتذر علناً وبجميع الوسائل من الرئيس السوري بشّار الأسد، ويقول ما قاله يوم السبت لمحطة الجزيرة، وكان يمكن له ان يتصالح مع الجميع، وفي المقدمة حزب الله، وان يأخذ الموقف العربي الفلسطيني كما يشاء ويرتاح، وعندها يذهب الى سوريا واي مكان آخر، عزيزاً كبيراً، بمثل ما ذهب اليها رئيس الحكومة سعد الحريري، ومع ذلك بقي مع رفاقه وحلفائه، متمسكاً بثوابت السيادة والحرية والاستقلال وقيام الدولة، وبالحوار مع حزب الله حول سبل حماية لبنان من اسرائيل، خصوصاً ان انتفاضة 14 آذار هي انتفاضة ديموقراطية، حضارية، سلمية، وطنية، عربية، غير طائفية، هدفها كرامة لبنان والانسان، وهذه اهداف وثوابت تليق بأصحابها وحامليها.
على طريقته وبأسلوبه، نسأل وليد جنبلاط، بعد كل هذا التعب والمخاض..
الى اين؟