عندما نتكلم عن الاستراتيجية الدفاعية للبنان وبغض النظر عن كافة التفسيرات والصيغ والاوراق التي طرحت او ستطرح – فاننا ننطلق من مبدأ ان لبنان سيتعرض لعدوان اسرائيلي يهدد امنه وسيادته واستقراره ويعرضه لاخطار عسكرية واستراتيجية شتى – وبالتالي فإن الحديث عن الاستراتيجية الدفاعية هو لمعالجة هذا الاحتمال من دون سواه.
فانطلاقا من المبدأ اعلاه نسجل الملاحظات الاتية:
1- ان اي استراتيجية توضع على طاولة حوار او هيئة وطنية للحوار او في مجلس الوزراء او في اي مؤسسة دستورية او رسمية يجب ان تنتطلق من مبدأ ان الاستراتيجة هي لمواجهة عدوان لا لشن عدوان – وبالتالي فان الاستراتيجية الدفاعية لا يجب ان تكون مطية لاحد كي تعطي له باي طريقة مباشرة او غير مباشرة الحق بشن عمليات او اعمال تعطي العدو الاسرائيلي اسباب واعذار لشن العدوان – وذلك مع تأييدنا لفكرة ان اسرائيل لا تحتاج الى اعذار لشن اي عدوان – ولكن بحسب المثال الشعبي " لا تمر قرب القبور ولا تشتم رائحة كريهة ".
2- ان الاستراتيجية الدفاعية التي يجب ان توضع لا بد ان تتناول نظرة شاملة لمجمل العملية الدفاعية ولا سيما الحماية المدنية التي تفترض تناول الاستراتيجية لبناء وتأمين ملاجىء ومستشفيات ميدانية وانفاق تموينية بين القرى والمدن الى ما هنالك – لان المهم في اللغة العسكرية لتعزيز مقاومة الاعتداء ان تشعر القوى المقاومة بانها تدافع عن اهاليها وشعبها في اي معركة ليكون لها الدافع للمقاومة – ففي ظل الوضع الحالي لا نرى ان ايا من الاستراتيجيات المرسومة – بخاصة لجهة قوى "8 اذار" تأخذ بالاعتبار سلامة السكان ومقومات صمود الناس في حال اي عدوان.
3- ان الاستراتيجية الدفاعية لا يجب ان تسمح بان تطوع من اي كان لتتحول الى استراتيجية حرب مفتوحة او لان تستخدم من اي كان كاداة او مطية او غطاء للذهاب الى ما هو ابعد من الدفاع عن لبنان ورد العدوان – فلا بأس ان تفتح كافة الحدود العربية مع اسرائيل – اذا اراد البعض الذهاب ابعد من مجرد رد عدوان على لبنان – فعندها لن يمانع احد في ان تخرج الاستراتيجية الدفاعية عن اطارها المحصور لتتحول الى استراتيجية حرب شاملة او مفتوحة بين العرب واسرائيل يكون لبنان عندها في طليعة الملتزمين مع اشقائه كافة.اما في حال بقاء لبنان مستفردا في مواجهة اي هجوم او اعتداء، فاننا وبكل بساطة نرى ان لبنان لم يعد قادرا على تحمل دفع فواتير باهظة عن الاخرين ومنهم العرب انفسهم . فلبنان ليس ملكا لطائفة او مذهب واحد – مع احترامنا وتقديرنا لكل الطوائف والمذاهب – ولكنه ملك كل اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم – وبالتالي من حق الجميع ان يكون له رأيه بموضوع الاستراتيجية الدفاعية ومقاومة العدوان الاسرائيلي لا ان يبقى هذا الموضوع محتكرا من فئة دون الفئات الاخرى.
4- ان اي استراتيجة دفاعية يجب ان تأخذ بالحساب ان تأتي متطابقة مع الدستور ومع قانون الدفاع الوطني وقوانين الدولة اللبنانية لجهة وحدانية قرار السلم والحرب بيد الدولة عبر مؤسساتها الدستورية والعسكرية لا غير، والتزامها القوانين والانظمة العسكرية والدفاعية المرعية الاجراء، بحيث لا تأتي اي استراتيجية دفاع الا انطلاقا من نص وروح الدستور والقانون الذين يحددان مرجعية دستورية لقرار السلم والحرب وهو مجلس الوزراء باكثرية الثلثين ومرجعية القيادة العسكرية للعمليات الا وهي مرجعية قيادة الجيش التي تتراس القوى المسلحة الشرعية الاخرى في اطار مجلس الدفاع الوطني – بما يكرس سلطة رئيس الدولة بصفته رئيسا اعلى للقوى المسلحة الخاضعة لسلطة مجلس الوزراء. ومن ضمن هذه الالية يجب ان تأتي اي استراتيجية عسكرية للمواجهة وليس من خلال اي تصور اخر لان العبرة بالنسبة الينا والى القسم الاكبر من اللبنانيين ان نصل الى دولة تحمينا وقوانين تشرع حماية الشعب والمؤسسات والدولة لا ان نبقى نستجدي الحماية من ميليشيات من لون واحد وبتأثيرات خارجية المنحى والمضمون اكثر منها داخلية ومحلية.
واخيرا وليس اخرا نذكر البعض من شركائنا في الوطن بان لبنان مساحة تاريخية وحضارية لتفاعل الجميع مع بعضهم ولتلبية مصالح وحقوق الجميع دون تمييز او تفضيل، وليس بالتالي "غيتو" لاحد ولا ممرا او مستقرا لاحد اخر. وعلينا جميعا كلبنانيين ان نتفق على امر اساسي
رغم الاختلافات والخلافات، الا وهو ان لبنان لا يدار بالانفراد ولا بالتفرد ولا بالخطف ولا بالابتزاز. فمثلما ارادت قوى "8 اذار" المشاركة في الحكم وفي ادارة دفة الدولة، ومن اجل ذلك اقامت الارض والدنيا ولم تقعدهما في حينه، كذلك ثمة فريق اخر من اللبنانيين يذكّر من يعنيه الامر حاليا – ان ثمة مطالبة ملحة وحق مشروع بان يتشارك الجميع في تقرير مصير هذا البلد وبخاصة في تقرير الحرب والسلم واليات مواجهة اي عدوان ضمن هدفية وطنية شاملة وجامعة – لا تستثني احد ولا تستقوي على احد.
انه قانون لبنان وشريعة وجود لبنان … لا احد يقرر عن احد استراتيجية مواجهة مصيرية للبلاد كحجم اي عدوان محتمل من اسرائيل في اطار مواجهة اقليمية او دولية شاملة، بل الجميع يتشارك القرار مع ما يعنيه ذلك من تعدد في الافكار وتعدد في الصيغ والرؤى وقبول مسبق من كل طرف برأي الاخر وبصوابية بعض الافكار الاخرى الممكن ان تأتي من شريك اخر – فمجموعها يشكل صيغة استراتيجية دفاعية وطنية صلبة وجامعة – ومن دونها لا استراتيجية ولا حماية للوطن تماما كما شريعة حمورابي التي تعتبر في نظر الفلاسفة والمؤرخين وعلماء القانون ضرورية واساسية تتخطى قدرة الملوك على تغييرها لما تمثله من مسلمات وجودية لا يمكن تجاهلها ولا تخطيها بمجرد شحطة قلم او قرار منفرد – فكما قوانين حمورابي، لا تقبل هذه المسلمات الاعتذار او اي توضيح للاخطاء اذا ما وقعت فيما بعد …
هذا هو بيت القصيد وعلى هذا الاساس نرى الاستراتيجية الدفاعية.