قرأت كتاب "وطن بلا سياج" بأقسامه الخمس وتيقنت من المثل اللبناني القائل "إعط خبزك للخباز ولو أكل نصو".
يمكن تقسيم الكتاب إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول يتناول عناصر المسألة الإستراتيجية كما عاشها الكاتب والقسم الثاني يطرح فيه بعض الحلول. فقد نجح العميد عبد القادر في طرح المسألة الدفاعية عن لبنان: سياسياً و إقتصادياً و مجتمعياً وإقليمياً ومفهوم الأمن الوطني وتنظيم القوى العسكرية وغيرها وغيرها…
وانطلاقاً من هذه المعطيات شبه الثابتة حاول استخراج بعض الحلول التي قد ترضي معظم اللبنانيين.
نجح الكاتب في طرح المسألة إنطلاقاً من كونه كان طيلة حياته لاعباً أساسياً في الإستراتيجية الدفاعية عندما انخرط في شقها العسكري ضابطاً تولى قيادة مختلف مستويات الوحدات حتى الكبرى منها و عاش معها حاجات الإستراتيجية الدفاعية بشقها العسكري كما تولى قيادة وحدة مكافحة الإرهاب في لبنان وعاش معها حاجات الإستراتيجية الدفاعية بشقها الأمني المخابراتي الذي يستبق الأحداث ويعالجها.
بالإضافة الى الشقين الأمني والميداني إنتدب للعمل في إحدى السفارات فعاش الإستراتيجية الدفاعية بشقها الدبلوماسي والعلاقات الدولية التي تشكل برأيي الباب الأول للدخول الى معالجة الإستراتيجية الدفاعية لأي بلد في العالم و لبنان يجب ألا يشذ عن هذه القاعدة .
هذه الخبرة العسكرية و الديبلوماسية الطويلة مضافاً إليها ما قام به لاحقاً، و لا يزال. من عمل صحافي و لقاءات عديدة مع مراكز ومؤسسات بحوث و دراسات إقليمية ودولية تصب كلها في الموضوع نفسه ألا وهو البحث عن سياج للوطن اللبناني أي ما هو متداول حالياً "الإستراتيجية الدفاعية". كل هذه المعطيات الثابتة لدى معظم اللبنانيين إستفاد منها الكاتب ليضع أمامهم و بإنفتاح كلي عناصر المسألة التي يجب أن تبنى عليها الإستراتيجية الدفاعية للبنان.
في القسم الثاني من الكتاب يطرح العميد عبد القادر بداية حلول لمسألة السلاح الذي يعيق قيام إستراتيجية دفاعية واحدة للبنان. وأنا وإن وافقته كلياٌ على معظم عناصر المسألة التي أوردها في القسم الأول من الكتاب إلا أنني لن أوافقه على ما قدمه من حلول للمسألة المطروحة. مع أنني لا أنكر بأن أحد هذه الحلول المطروحة يمكن إعتمادها كنقطة إنطلاق يمكن للمسؤولين في لبنان البناء عليه وتطويره للوصول إلى حل يرضي جميع اللبنانيين ويليق بوطن قادر ومزدهر ورادع.
أريد أن أستعرض ولو بإيجاز الخيارات الأربع التي طرحها الكاتب و إبداء الرأي بها كذلك بإختصار قبل الوصول إلي رأيي الخاص بالاستراتيجية الدفاعية للبنان.
1. الخيار الأول: استراتيجية المقاومة
في الخيار الأول يطرح الكاتب إستراتيجية المقاومة كخيار للدفاع عن لبنان. لكن الحزب لا يمتلك القدرات الأساسية اللازمة لبلورة إستراتيجية دفاعية متكاملة. فهو يفتقر إلى الإعتراف الدولي به ككيان أو ممثل لشعب أو لدولة. هو يفتقر إلى الديبلوماسية والعلاقات الدولية في المنظمات السياسية الدولية والإقليمية. كما أنه يفتقر إلى الإقتصاد لإدارة سياسته وإستراتيجيته الدفاعية لأن سلاحه وأمواله لا ترتكز إلى إقتصاده الذاتي إنما هي تخضع لمساعدات إقليمية قد تنقطع عندما ترى مصالحها متضاربة مع الشعب اللبناني. ولنذهب أبعد من ذلك معظم دول العالم وعلى رأسها القوى العظمى مضافاً إليها معظم الدول العربية وغالبية اللبنانيين تنظر إلى حزب الله كذراع عسكري للدولة الإيرانية في لبنان. وفي خطابه إلى الأمة الإيرانية بتاريخ 16/02/2010 حدد الرئيس أحمدي نجاد تاريخ الهجوم من قبل إسرائيل على إيران في الربيع أو الصيف المقبل وأضاف قائلاً: سنسحقها بالمقاومة وهذا يثبت أن هوية سلاح الحزب، وإن حمله الشباب اللبناني، إنما استخدامه يخضع للمصلحة العليا الإيرانية وليس للبنان أو للشعب اللبناني.
هذا الخيار يقودنا إلى مخاطر أكبر فالحرب إذا نشبت بين المقاومة و العدو الإسرائيلي لن تكون حرباً عسكرية بين جيشين يحترمان قواعد الحروب بحيث تقتصر على القوى المسلحة ولوجستيتها…لأن ذراع المقاومة الأقوى هو السلاح الصاروخي الذي لن يوفر قرى إسرائيلية فيعمد العدو إلى الأذية بالأقوى ليدمر البنى التحتية الأساسية من محطات لتوليد الطاقة الكهربائية إلى تدمير المطار والمرفأ وصولاً إلى قصف المراكز الحكومية و الثكنات العسكرية و خزانات الوقود و الإهراءات… وغيرها. وهذه الأنواع من الأعمال العسكرية و القصف المدمر لا تحصل عادةً إذا ما كانت الحروب مختصرة على الجيوش لكنها ضد مقاومات من النوع الذي يقوده حزب الله سيذهب التدمير إلى ابعد من ذلك.
قد يعتقد البعض من مؤيدي هذا الخيار أن الحرب المقبلة قد تكون نسخة عن حرب تموز عام 2006 لكن المؤشرات الواردة من داخل إسرائيل تشير بوضوح إلى أن العدو يعد قواته للقيام بهجومات برية واسعة يصعب التكهن بمداها البري والإستراتيجي كما أنها لن تكون مستنسخة عن حرب 1982 لأن الحروب لا تتكرر ولا تستنسخ. بإختصار هذا الخيار هو مدمر للبنان وهو مخالف لإرادة معظم اللبنانيين و الدول العربية الشقيقية والأسرة الدولية ولا يمكن توقع حدود نتائجه الكارثية إقتصادياً و سياسياً. ويبقى السؤال من قبل اللبنانيين من أعطى هذه الوكالة لحزب الله لقيادة شعب إلى الموت المجاني ووطن إلى التدمير مع ما قد يترتب على ذلك من نتائج سياسية كارثية. اللبنانيون الأحق بالوكالة لن يعطوها للحزب وإذا انطلق الحزب من وكالة إلهية فاللبنانيون أيضاً لا يشاركونه هذه الوكالة في أمورهم السياسية.
2- الخيار الثاني: دمج المقاومة بالجيش.
من دون الدخول في التفاصيل يعتبر هذا الخيار مستحيل التحقيق نظراً لارتباط الحزب التسلحي و السياسي والعسكري باستراتيجية إيران الإقليمية لأن سلاحه الإيراني وأموالة الإيرانية ووكالته الإلهية تفرض عليه تنفيذ إستراتيجية إيران الإقليمية في المنطقة. ألم يقل الشيخ نعيم قاسم في كتابه حزب الله :"نحن نتلقى التوجيهات في القضايا الكبرى من الولي الفقيه "؟. وهل هناك أكبر من قضايا الوطن لتلقي التوجيهات بصددها من الولي الفقيه. لذا نعتقد كما يعتقد الكاتب بأنه خيار مستحيل.
3- الخيار الثالث: تحييد لبنان.
أنا أوافقك الرأي باستحالة هذا الخيار وحالياً لأن الحكومة اللبنانية لن تطرح خياراً مماثلاً في ظل استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وفي حال انتهاء الصراع قد لا تجد الحكومة ضرورة لهذا الحل.
4- الخيار الرابع والأخير : بناء الجيش القوي والقادر.
طبعا ً أوافقك الرأي اذا أردنا أن نحفظ لبنان من الأخطار الخارجية والداخلية . قد أختلف معك على مدة الفترة الإنتقالية بين الوضع الحالي والوضع الذي يصبح الجيش وحده مسؤولا ً عن أمن الوطن والمواطنين . كما قد أختلف معك على هيكلية الجيش والقوى في صيغته النهائيّة أو في طريقة الإنتقال التدرجي للمقاومة من مسلّحة الى رافدة للمقاتلين العسكريين داخل الجيش. لكنني أذهب أبعد من ذلك لأقول بأنني أتمنى أن يكون هذا الخيار قاعدة انطلاق للحوار بين اللبنانيين على طاولة الحوار وأن يكوّن المادة الأساسية للدرس بين الخبراء العسكريين لمختلف الأطراف السياسية اللبنانية وأن تكون أحد أعضاء هؤلاء الخبراء ً لما خبرته في المجالات التي سبق ذكرها : عسكرية وأمنية ودبلوماسية وإعلامية ومراكز دراسات وبحوث.
وقبل أن أدخل الى التصور الذي نعتبره مثاليا ً للدفاع عن لبنان أود أن أذكر ببعض المبادئ التي تستند اليها الاستراتيجيات الدفاعية في الدول وإسقاط هذه المبادئ على الوضع اللبناني.
المبدأ الأول: يجب أن تسيطر الدولة وحدها على كل وسائل العنف دون شريك داخلي أو خارجي . ولا يمكنها التنازل عن هذا الحق لأي طرف آخر. وإلا تعتبر دولة فاشلة.
المبدأ الثاني: المقاومة تستند الى حالتين الأولى أن تكون أرض الوطن أو جزء منها محتلا ً والثاني أن لا يكون هناك دولة. ففي لبنان الدولة موجودة وأرض الوطن محررة باستثناء "فخ" مزارع شبعا. كما يبيّنه التلاعب بالخريطة المرفقة ربطـًا.
المبدأ الثالث: المقاومة يجب أن تحظى بتأييد شعبي جارف وهذا ما كانت عليه المقاومة قبل عام 2000 وبعد ذلك تراجع التأييد للمقاومة ليقتصر على جزء من الشعب اللبناني .
المبدأ الرابع: اتخاذ التهديد الاسرائيلي غير المحدد الأبعاد لا جغرافيـًا ولا زمنيـًا ودون أية مواصفات علمية دقيقة كذريعة للاستمرار بالاحتفاظ بحق حمل السلاح هو أمر غير مقنع. فمعظم دول العالم لها دول مجاورة تهددها ولكنها لا تنظم مقاومة مسبقة لتهديد قد لا يقع لعشرات وعشرات السنين.
المبدأ الخامس: اذا لم تحظى المقاومة بالإجماع الشعبي تتحول الى قوة تدميرية ذاتية للشعوب وهذا الأمر كاد يحصل في لبنان في 7 ايار منذ عامين.
طبعا ً المبادئ كثيرة ولكن أود أن أسرد بعض الملاحظات التي يعرفها الجميع. .
الملاحظة الأولى : من أصل 193 دولة لا يوجد دولة في العالم فيها جيش وطني والى جانبه مكون سياسي يمتلك ويحرك سلاحا ً خارج اطار الدولة. حتى ان الحرس الثوري الايراني الذي يعتبر رديفـًا للجيش الإيراني إلا انه يخضع للسلطة السياسية التي تقود الجيش. لذلك فالأمر في لبنان هو عنوان الشواذ من الناحية السياسية والاستراتيجية.
الملاحظة الثانية : لم تسجل عبر الحروب على مرّ العصور أن وجدت قوتان عسكريتان فوق مسرح عمليات واحد سواء كانت تابعتان لدولة واحدة أو لعدة دول الا وخضعت هاتان القوتان العسكريتان او اكثر لقيادة عسكرية واحدة. لذلك فالامر في لبنان هو عنوان الشواذ من الناحية العسكرية البحتة.
الملاحظة الثالثة: قد يقول البعض أن إسرائيل لا شبيه لها وليس هناك من دولة مشابهة لإسرائيل تقع على حدود بقية الدول.
هذا الأمر يجب إيضاحه للبنانيين لئلا تبقى أفكارهم مشوشة: أولاً هناك ثلاث دول مجاورة لإسرائيل بالإضافة إلى لبنان هي: سوريا والأردن ومصر. وعندما احتلت إسرائيل الأرض المصرية والأرض الأردنية لم يشكلا مقاومة لاسترجاع الأرض حتى أن منتجع طابا على خليج إيلات استردّته مصر بالتحكيم الدولي. وأبعد من ذلك لا تزال الأرض السورية محتلة بينما ترفض سوريا تشكيل مقاومة لاسترجاع أرضها. وإن ذهب البعض إلى القول أن سوريا تمتلك جيشاً قوياً وقادراً، نسأل هذا البعض ما معنى الجيش القادر إن لم يسترجع الأرض أولاً و ثانياً لا يعتقدن أحد بأن قوة الجيش السوري مع إحترامي لضباطه ورتبائه وأفراده هي التي تمنع الطيران الإسرائيلي من التحليق فوق الارض السورية وأكبر دليل على ذلك: وصل الطيران الإسرائيلي الى دير الزور ووادي الصاحب و لم يتصدى له أي سلاح سوري إنما ما يمنع طيران العدو من التحليق فوق الأرض السورية هو كون سوريا دولة تحترم تواقيعها و قد وقعت على فكّ الإشتباك عام 1974 مع العدو الإسرائيلي ولا تزال تتمسك بهذا الإتفاق.
الملاحظة الرابعة: إن الإصرار على تغييب دور الدولة في لبنان وإبقاء الأرض اللبنانية ساحة مفتوحة للمواجهة بين العدو الإسرائيلي وقوى إقليمية بعيدة عن مصلحة لبنان الحيوية هو الذي يدفع بسلاح الجو الإسرائيلي الى اختراق الأجواء اللبنانية باستمرار. إذ بغياب الدولة التي تحترم توقيعها أو تسيطر على أرضها يعتبر هذا العدو أن المواجهة العسكرية مستمرة وفي أية لحظة قد تندلع شرارة الحرب وهو يعمل على الإستعداد لها ضد عناصر لا تشكل كيان قانوني بالمعنى الدولي.
إستناداً لما تقدم وإنطلاقاً من المبادىء والملاحظات التي أوردتها بإيجاز في سياق هذا البحث، إسمحوا لي أن اطرح تصوّري للإستراتيجية الدفاعية للبنان:
قد يتصور البعض أن الاستراتيجية الدفاعية لأي بلد في العالم تبدأ بقواه العسكرية من طائرات و مدافع و دبابات و لكنني أعتقد، وقد يشاطرني الرأي زميلي ورفيقي العميد عبد القادر، بأن الاستراتيجية الدفاعية لأي بلد في العالم تنتهي بإمتلاك الأسلحة من طائرات ودبابات ومدافع، فالاستراتيجية الدفاعية للدول تتدرج نزولاً من علاقات هذه الدول مع المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة والمؤسسات الدائرة في فلكها إلى المؤسسات الإقليمية المحيطة بهذه الدول إنتهاء بالوضع الداخلي لهذه الدول الذي يتناول أمنها الوطني والإقتصادي والإجتماعي ووحدتها الوطنية لتنتهي في بناء جيشها القادر على الدفاع عن مصالحها الحيوية.
بإسقاط هذا المنطق الذي تعتمده كل دول العالم بإسقاطه على لبنان نرى أن السياج الفعال لهذا الوطن أو الستراتيجية الدفاعية لهذا الوطن تختصره ثلاث دوائر:
– الدائرة الأولى: تتناول لبنان واعتباره عضواً في الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي ساهم في تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية وهو اليوم عضو غير دائم لمدة عامين في إحدى مؤسساتها الأفعل (مجلس الامن الدولي) كما أنه ناشط في معظم المؤسسات الدولية المتفرعة عنها أو الناشطة إلى جانبها. و للبنان مكانة مرموقة في هذه المؤسسات.
بالإضافة إلى نشاط لبنان في هذه المؤسسات الدولية التي تؤمن له نوعاً من الأمان الاستراتيجي فهو يرتبط بشبكة علاقات دولية مع كثير من الدول الأساسية والهامة في الأمم المتحدة والمراجع الدولية الرئيسة التي تعتبر لبنان رسالة حضارية نموذجية يمكن للكثير من الدول ذات الأزمات المشابهة الإقتداء بنموذجه لحل أزماتها المستعصية. قد يتساءل البعض لماذا لم يقدم العدو الإسرائيلي الطامع بأرضنا ومياهنا لماذا لم يقدم خلال أكثر من عشرين عاماً من الإحتلال لقسم من جنوب لبنان لم يقدم على زرع أية مستوطنة إسرائيلية فوق أرض الجنوب أو لماذا استمر المواطنون اللبنانيون في الانتقال بين الداخل اللبناني والجنوب المحتل خلافاً لما حصل في الجولان أو سيناء أو الضفة الغربية علماً بأن الصهيونية العالمية كانت تطالب بعد الحرب العالمية الأولى لدى تقسيم المنطقة بأن تكون حدود فلسطين الشمالية على نهر الأولي؟ الجواب لأن علاقات لبنان الدولية أو ما يسميه الباحثون في الاستراتيجية دائرة الأمان الأولى كانت تمنع العدو من الإقدام على تغيير وجه الارض المحتلة اللبنانية وديموغرافيتها. وهكذا نجح لبنان بهذه الشبكة من العلاقات القوية مع الأمم المتحدة وبعض المؤسسات الدولية والروحية من تجنيب لبنان كأس التهويد أو الضم لجنوبه المحتل إنه دائرة الأمان الأولى في الاستراتيجية اللبنانية. وإذا أهملنا هذه الدائرة، يصبح لبنان مكشوفـًا دون وقاية عالمية.
– الدائرة الثانية: تتناول لبنان وارتباطاته الإقليمية. فهو أحد الأعضاء السبع المؤسسين لجامعة الدول العربية و التي يبلغ عدد أعضاؤها اليوم 22 دولة. تنطلق علاقات لبنان كمعظم هذه الدول من منطلق الأخوة والإحترام. فلبنان يلعب دوره كاملاً في قضايا دول الجامعة وعلى رأسها قضية فلسطين. ولبنان أعطي دوراً في الصراع العربي الإسرائيلي و هو يؤمنه بامتياز لا بل أكثر من الدور الذي حددته له الجامعة و "الدفاع العربي المشترك" والإصرار اليوم على تحويل لبنان ساحة المواجهة الوحيدة مع العدو الإسرائيلي لا يخدم المصلحة العربية العليا ولا القضية الفلسطينية إنما يخدم مصالح دول إقليمية غير عربية ما ينعكس سلباً على وضع تصور واضح للستراتيجية الدفاعية للبنان لأن قسماً من الشعب اللبناني يرتبط عضوياً بهذه الدول الإقليمية ويؤمن مصالحها على حساب لبنان لا بل على حساب الشعب الفلسطيني. إنطلاقاً من هذه الدائرة المبهمة بين اللبنانيين تنطلق نقاط الخلاف حول صياغة استراتيجية دفاعية للبنان يمكنها أن تؤمن توافقاً بين اللبنانيين. في غياب وحدته الوطنية حول قضايا الوطن الكبرى.
– الدائرة الثالثة: تتناول الوضع اللبناني الداخلي الذي من المفترض أن يعتبر استراتيجيته الدفاعية ترجمة عملية وتنفيذية لعلاقاته الإقليمية والدولية. إنطلاقاً من هذه العلاقات يعمل لبنان على صيانة استراتيجية إنطلاقاً من الأمن الوطني الذي يتناول وحدته الوطنية التي تلعب دوراً أساسياً في هذه الاستراتيجية، سياسته الإقتصادية، دبلوماسيته الإقليمية والدولية وصولاً إلى سياسته العسكرية (هجومية دفاعية…)، وضع عقيدة قتالية لجيشه وتنظيم وحداته . . . بمواجهة العدو الإسرائيلي.
لن أغوص في تفاصيل الاستراتيجية الدفاعية قبل إظهار مسلمات قد يكون بعضها خاصاً بلبنان أذكر منها:
المسلمة الأولى : لا يمكن لبلد كلبنان بدخل قومي أقل بثمانية أضعاف عن دخل إسرائيل القومي إقامة توازن عسكري كلاسيكي معها (طيران – بحرية – أسلحة متطورة) أو إقامة ردع عسكري على أساس هذه الأسلحة.
المسلمة الثانية: يتمتع لبنان بميزات جغرافية وكثافة سكانية في مناطق القتال المرتقبة مما يعطيه ميزة خاصة للمزج بين القتال الكلاسيكي والقتال الخاص ما قد يسمح بتعزيز ميزة الردع لديه إذا أحسن وضع عقيدة قتالية لجيشه متناسبة مع هذه الجغرافيا.
المسلمة الثالثة: كل خيار استراتيجي ينفرد به أي مكون سياسي لبناني خارج إطار الوحدة الوطنية يقود لبنان حتماً إلى دمارالوطن، أو ضياعه.
إنطلاقاً مما تقدم من المبادىء المنطقية المعترف بها في بناء أية دولة في العالم والتدرج في صياغة الستراتيجية الدفاعية لهذه الدولة وصولاً الى تسليح و تنظيم وحداتها القتالية وانتهاء بالمسلمات اللبنانية الخاصة نحن نقترح بناء جيش بثلاثة أنواع من الوحدات:
– وحدات ثقيلة مجهزة بمدافع ودبابات تقاتل على المحاور التي يتقدم منها العدو.
– وحدات خاصة خفيفة تقاتل على الخطوط الخلفية للعدو إذا نجح في اختراق جبهات القتال تقاتل إنطلاقاً من المدن والقرى والبلدات اللبنانية على الخطوط الخلفية للعدو.
– وحدات خفيفة ملتصقة بالمناطق الخمس تشكل قوى متحركة لحفظ السلم الأهلي ويمكنها تبادل الدعم مع بقية الوحدات. كما تشكل دعمـًا ملموسـًا ودائمـًا للوحدات العاملة وراء خطوط العدو.
في هذه المنظومة الدفاعية سوف يحسب العدو ألف حساب قبل الإقدام على دخول لبنان لأن الوحدات العاملة خلف خطوط العدو والمتجذرة في المدن والقرى تشكل قوة الردع الأساسية لحماية لبنان. هذه القوى يمكن تجهيزها وتدريبها وتنظيمها خلال أشهر قليلة وليس سنوات كما أنها تعتبر من الوحدات الأقل كلفة في التجهيز والتسلـّح.
الخطر اليوم على لبنان في وجود سلاح بأيدي مكون يرتبط بدول إقليمية وينفذ استراتيجيتها بعيداً عن المصلحة اللبنانية العليا.
أيها السادة، اللبنانيون يتساءلون اليوم: لماذا على بيروت أن تكون أكثر فلسطينية من رام الله؟ لماذا على بيروت أن تكون أكثر عروبة من دمشق وعمان والقاهرة؟ لماذا على بيروت أن تكون أكثر إسلامية من مكة المكرمة و النجف الأشرف؟ هل ما يتبناه اليوم حزب الله من استراتيجية تجاه إسرائيل هي للدفاع عن لبنان؟ أم هي للدفاع عن مصالح إقليمية؟
الجواب واضح لدى كل اللبنانيين: أجندة سلاح الحزب حددت في خطابات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عندما حدد بأن إسرائيل ستهاجم إيران في الربيع أو الصيف المقبل وأن المقاومة ستسحقها (ويقصد بذلك حزب الله) كذلك تبلورت هذه الأجندة في لقاء دمشق الثلاثي بين الرئيس الإيراني والرئيس السوري والسيد حسن نصرالله. وهل أبلغ من ذلك بأن سلاح حزب الله تحركه المصالح الإيرانية والإيرانية فقط؟
وهنا يتساءل اللبنانيون: لماذا على لبنان أن يدفع عن سوريا ثمن استرجاع الجولان. لماذا على لبنان أن يدفع عن إيران ثمن إمتلاك سلاح نووي؟ لماذا على مدينة بنت جبيل أن تدفع ثمن استرجاع حيفا؟
نحن نقول: الخطر لن يبارح لبنان طالما هناك مكوّن سياسي يمتلك سلاحـًا يأتمر بقوى إقليمية ولا يعترف بشرعية الدولة اللبنانية بحقها الحصري للسلاح. والأخطر من ذلك كله أن هذا المكون يرفض الحوار ويتهم صاحب كل رأي آخر بالعمالة والخيانة ويتراجع عن الإتهام إذا وافقه الرأي.
فهل هكذا تـُبنى الأوطان والاستراتيجيات ؟!
طبعـًا لا ولا كبيرة.