في انتظار معرفة كيف ستنتهي الأزمة بين أميركا وإسرائيل
العرب مدعوون لاتخاذ مواقف موحدة وحازمة
يرى مصدر ديبلوماسي عربي ان اشتداد الأزمة بين اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية من جهة، والعرب والفلسطينيين من جهة أخرى، إما أنها تفتح أبواب الانفراج أو أبواب الانفجار في المنطقة، لأنها أزمة تحصل للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بينهما وتشكل اختبار قوة لكل منهما، ومَن سيتغلب على الآخر في هذه المواجهة ويثبت انه الأقوى والأكثر تأثيراً.
ويضيف المصدر ان الولايات المتحدة الاميركية إذا كانت جادة في تحقيق السلام في المنطقة على أساس حل الدولتين وترفض بشدة بناء مستوطنات جديدة في القدس الشرقية، فما عليها إلا أن تلجأ الى اتخاذ إجراءات اقتصادية بحق اسرائيل وحجب المساعدات المالية والعسكرية وعدم الاكتفاء بمكالمة هاتفية غاضبة بين وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عبّرت فيها عن غضب عارم في واشنطن من اسرائيل، وان الرئيس أوباما شعر بأنه جرح من التصرف الاسرائيلي وأن حكومة نتنياهو تضع العراقيل أمام استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.
وتنتظر الولايات المتحدة الآن من اسرائيل خطوات معينة لتظهر أنها ملتزمة العلاقة بواشنطن وعملية السلام.
جاء في مقال في صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية "ان نتنياهو عاد الى نقطة الصفر التي بدأ منها علاقاته المتعكرة مع إدارة أوباما، ومرة أخرى، يتخذ في العالم صورة المخرب للمسيرة السلمية، والفلسطينيون يبدون كضحايا لسياسة الإلحاق والاستيطان الاسرائيلية. لكن نتنياهو قد يندفع نحو الاختبار الأشد له في علاقاته مع الولايات المتحدة والمتمثل بإنهاء تعليق الاستيطان في أيلول المقبل، وفي الوقت عينه ستكون حملة الانتخابات للكونغرس في ذروتها وأوباما في أعماق ضعفه، وسيجد صعوبة في الضغط على اسرائيل، وهو ما يجعل نتنياهو يسعى الى هذا التوقيت". ويتساءل صاحب المقال: "هل يمكن أن تستسلم الادارة الاميركية لنتياهو ولا تطالبه بمواصلة التجميد حتى بعد أيلول، خصوصاً ان ليس للمستوطنات الكثير من المؤيدين في الكونغرس والرئيس أوباما سيقف ضدها بكل قوته وعندها سيتعين على نتنياهو أن يختار من يحتاج اليه أكثر، أميركا أم شركاؤه السياسيون من اليمين في اسرائيل؟".
الايام القليلة المقبلة قد تجيب عن هذا التساؤل، فإما تذهب الأزمة بشدتها إلى تسوية، كأن تجعل تجميد بناء المستوطنات طوال فترة المفاوضات، أو أن يتعذر التوصل اليها فيصبح مصير حكومة نتنياهو في خطر التبديل أو التعديل.
أما بالنسبة الى الأزمة بين حكومة نتنياهو والعرب والفلسطينيين، فانها تضع التضامن لمواجهة هذه الأزمة على محك الاختبار سواء قبل القمة الليبية المقبلة او خلالها أو بعدها. ذلك ان هذه الحكومة بمواقفها المتشددة تخدم تيار التشدد والتطرف العربي والفلسطيني وتحرج تيار الاعتدال وتدفعه نحو ملاقاة المتشددين في موقفهم الرافض مواصلة المفاوضات العبثية، والاقتناع بأن لا حل مع اسرائيل الا بالحرب والمقاومة.
لقد ربح العرب والفلسطينيون للمرة الأولى وقوف الولايات المتحدة الاميركية ودول الاتحاد الاوروبي ضد تصرفات حكومة نتنياهو، وليس ضد اسرائيل الدولة، فينبغي الافادة من هذا الموقف قبل ان يتلاشى مع الوقت اما بحكم تبدّل الظروف والمعطيات، وإما بالتوصل الى تسويات.
لذلك مطلوب، في رأي المصدر نفسه، الاتفاق على اتخاذ مواقف عربية وفلسطينية واحدة وموحّدة وتكون حازمة وحاسمة لأن الوقت يعمل لمصلحة اسرائيل التي تستفيد من ضعف العرب وتفككهم وانقسام الفلسطينيين لمواصلة بناء المستوطنات وتهويد القدس ووضع الجميع امام الأمر الواقع، لأن اسرائيل تراهن على ان العرب سيتكيفون مع هذا الواقع الذي تفرضه عليهم، ولن تعطيهم إذا استمر ميزان القوى على ما هو حالياً، اكثر من حق الصلاة في القدس. وعندئذ تكون الهزيمة قد جاءت من داخل العرب والفلسطينيين وليس من اعدائهم. فواقع القدس الآن يتطلب من الأمة العربية والاسلامية ومن الفلسطينيين حزم أمرهم وجمع كلمتهم ليقفوا وقفة واحدة امام غطرسة قوة الاحتلال الاسرائيلي، فإما يكون خيارهم الحرب او الاستسلام، وأولى الخيارات التي هي اهم من المواجهة العسكرية والمفاوضات، توحيد الصف العربي والصف الفلسطيني، ففي توحّدهم قوة تجعل الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي يقفان معهم، حتى ان الموقف الاسرائيلي المتشدد يتغير.
لقد نجحت اسرائيل في تغيير بعض معالم مدينة القدس منذ عام 1967 عندما هدمت حي المغاربة المشهور، وازالت الكثير من قبور الصحابة والشهداء الاوائل من المسلمين حول سور المدينة، واستطاعت ان تغير بعض المعالم الديموغرافية عندما لجأت الى تهجير اهل القدس بشتى الوسائل، ومنها جرف بيوتهم وبناء مستوطنات مكانها لإسكان اليهود فيها. وها هي تعمل الآن على اعادة فتح الكنيس وضم الحرم الابرهيمي الى لائحة الآثار اليهودية.
الواقع ان اسرائيل لا تريد السلام بل تريد سلام الاستسلام، والعرب يريدون السلام لكنهم في الوقت عينه لا يريدون الحرب، ولن تكون المفاوضات كما يبدو حتى الآن هي السبيل الى تحرير الارض المحتلة واستعادة السيادة عليها، ما دامت اسرائيل ترى في المفاوضات تكريساً للوضع الراهن وتكريسا للتهويد، وترى في الحرب ما يخرجها من مأزقها الحالي على أن لا تكون هي البادئة بها، بل ان يكون العرب والفلسطينيون، وقد تكون في مواقفها المتشددة والاستفزازية تريد دفعهم الى الحرب ليكونوا هم المسؤولين عن اعلانها.
لقد قال الدكتور قسطنطين زريق، رحمه الله، في حديث صحافي عام 1949 "ان الصراع العربي – الفلسطيني لن ينتهي لأنه بين حَقّين وحقيقتين وأمتين مختلفتين، فيما نحن امة متخلفة ولا بد من ثورة على الذات".
ان كلام الدكتور زريق الذي قاله منذ اكثر من 15 سنة قد صح، بكل أسف، حتى الآن.