الحملة التي تزداد نيرانها تسعيراً لا تُفاجئ اللبنانيين عندما تبلغ سقفها الأعلى عبر مطالبة أحد أبواق الأوركسترا المعروفة رئيس الجمهورية بالاستقالة ومن على باب "الحالم" الدائم بالوصول إلى كرسيّ الرئاسة، ومن الواضح أن الغضب شديد على رئيس الجمهوريّة لأنّه تجرّأ ومارس صلاحياته في الدعوة إلى انعقاد طاولة الحوار من دون أن يأخذ الإذن أو يتلقّى الأوامر من أحد بحسب العادة القديمة، بل وأخذت الأمور منحىً مستجداً أبعد بكثير من ضرب الطائف وتعديله بنوايا بالمثالثة، بل إلغاء الطائف ووأده، فحتى الساعة كلّ عمليات التطويع لم توصل إلى استعادة زمام القبض على "خوانيق" لبنان، والعائقان الرسميّان هما : رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء، والعائق غير الرسمي وهو جمهور 14 آذار وقياداتها والتي تتعرّض أيضاً لحملات عنيفة متوالية، ولا نستغرب أبداً أن تكون تأتي المطالبة باستقالة رئيس البلاد من بوابة الرابية حيث يقبع "حصان طروادة" التاريخي لضرب لبنان وضرب الرئاسة الأولى تحديداً منذ العام 1989 وإن نطق بها لسان غير لسانه، فللضرورة المسيحية!!
والهجوم الذي يستهدف رئيس الجمهوريّة بلغ مداه بالأمس، وبوقاحة شديدة تُعلّق حال المرواحة التي عانى ويعاني منها لبنان بفعل مناورات الحلفاء في 8 آذار على الرئاسة الأولى، والبعض فاشل في اتكاله على أن ذاكرة اللبنانيين تنسى لكثرة ما يشحنونها بصراخهم وخطاباتهم اليوميّة وتشويشهم على اللبنانيين، مع أن السيناريو منذ عامين حتى اليوم لم يعدّلوا فيه شعرة، تعطيل انتخاب رئيس جمهورية تماماً كمشهد مستعاد من عام 1989 "مخايل الضاهر أو الفوضى"!!
وبعد عام ونصف من التعطيل وخيم الاعتصام ومحاولة إسقاط رئاسة الحكومة بالعنف وقوّة السلاح وفرض الحصار، انفجرت الشوارع في وجه العزّل في 7 أيار، وفي الدوحة تمّ الاتفاق على انتخاب رئيس للبلاد نهاية أيار 2008، ومع هذا لن يبدأ العهد بفضل حكومة الثلث المعطّل التي شلت البلد، وتوهم أهل التعطيل أنهم سيكتسحون صناديق الانتخابات فسقطوا مع مرتبة الشرف في انتخابات حزيران العام 2009، ظلّ العهد منتظراً لمدّة عام مجيء حكومة حتى يستطيع أن يبدأ، فحكومة الثلث المعطل أدّت قسطها للعلا في شلّ البلاد…
بعدها، وقف التعطيل الموعز به نفسه "من الرابية" في وجه تشكيل حكومة العهد الأولى، ما يقارب المئة يوم والبلاد عالقة في الفراغ والتعطيل إكراماً لعيون صهر الجنرال، وجاء التكليف الثاني على ما يذكر الجميع، فرئيس المجلس قام بالمهمّة المنوطة منه بالامتناع عن تسمية سعد الحريري رئيساً للحكومة، حتى فرجها الله على اللبنانيين، وتشكلت حكومة بثلث معطّل مبطّن، تحاصرها محاولات عرقلة شديدة دؤوبة، وعلى جميع المستويات، أما البلاد فلاتزال عرضة للخضّات والشلل!!
منذ خرجت الرئاسة الأولى ورئيس الجمهوريّة من حالة التبعيّة الكاملة، وهاتف برنامج العمل اليومي من الخارج، بات الرئيس موضع استهداف، ومع أنّ الرئيس ميشال سليمان يُدير الدفّة بحكمة وأناة – وإن أخذ عليه أحياناً اللبنانيون هذه الأناة ـ إلا أنّ كلّ الحكمة في موقفه هذا ففي أناته سلامة البلد، وعلى رغم أن لا وزن سياسياً ولا شعبياً لمن أدّى مهمة التلويح بالمطالبة باستقالة رئيس البلاد، ولكن العبرة عند أي باب قيل هذا الكلام، فقد "نطق" به من على بوابة "عايش الوهم" الدائم بأن يصبح رئيساً، خصوصاً بعدما حلّت عليه البركات المشرقية!!
زمن إميل لحود مضى معه ولن يعود، ولا نظنّ أن لبنان سيُبتلى ثانية برئيس معيّن، لأن الزمن تغيّر، والذين يناورون اليوم في أرض رئاسة الجمهورية، وشنّ الحروب على جميع جبهات لبنان السيادة والاستقلال، يقومون بهذه المهمّة منذ العام 2005، وكلّما أتيح لهم وقت ضائع يعودون إلى لعب سيناريو المناورة الركيك، ولبنان صمد خمس سنوات وبات كلّ محاولات إخضاعه من جديد بالفشل، فلا بأس بمناورة جديدة في وقت الانتخابات العراقية الضائع، ووقت الملفّ النووي الإيراني الضائع، ووقت واقع المنطقة الإقليمي، والمطلوب من اللبنانيين ليس بكثير، فمحاولات إحباطهم مستمرة منذ ثلاثين عاماً، وكلها باءت بالفشل، وهذه المرّة أيضاً لن يكون مصيرها أكثر من الفشل، والفشل الذريع أيضاً!!