مرت لحظة مدهشة ليلة السبت الماضي خلال المقابلة التي أجراها مراسل قناة الجزيرة غسان بن جدّو مع وليد جنبلاط، قد توضح إلى حدّ ما ما تتوقعه سوريا من الزعيم الدرزي بما أن الرئيس بشّار الأسد وافق الآن على استقباله.
كان إجراء المقابلة مع بن جدّو أحد الشرطين الذين فرضتهما سوريا على جنبلاط منذ بضعة أشهر، حتى يكسب دعوته إلى دمشق (كان الشرط الأول اعتذار يقدمه جنبلاط إلى الشعب السوري عن تصريح أدلى به للصحافي الأميركي دايفيد إنياتيوس، يسأله فيه لماذا لم تدعم واشنطن الأكثرية في سوريا كما فعلت في العراق). ادّعى جنبلاط في ذلك الوقت أنه كان يمانع في إجراء المقابلة، لأن بن جدّو، المتعاطف بشكل علني مع "حزب الله" وسوريا، كان ليحاصره بأسئلته. على الأرجح، كان الزعيم الدرزي يفضل المفاوضة مسبقا بشأن ما سيدلي به، ربما عبر الأتراك والقطريين. بن جدّو، الذي كان قد أظهر بوضوح ابتهاجه بالاستقبال الرفيع الذي لقيه في المختارة، تفاجأ بالسهولة التي عزله بها جنبلاط.
على أي حال، طرح الصحافي سؤالا يتضمن إشارة واضحة للسبب الذي لأجله اختارته سوريا هو تحديدا لإجراء المقابلة مع جنبلاط. فأثناء حديثه مع الزعيم الدرزي عن علاقته مع حلفائه السابقين في "14 آذار"، طلب منه بن جدّو بوضوح أن يصف كيف كانت تسير الأمور مع "القوات اللبنانية". في الأشهر الأخيرة، أراد السوريون وحلفاؤهم المحليون عزل سمير جعجع وفسخ تحالفه مع سعد الحريري. كان بن جدّو يعرف أن جنبلاط، بهدف إثبات حسن نيته مع سوريا، قد ينتهز الفرصة ليتهم "القوات اللبنانية".
في الواقع، تجنّب جنبلاط إعطاء إجابة سلبية، ودفع بن جدّو للتوضيح بأنه لم يرد التركيز فقط على "القوات اللبنانية". لكن الرسالة التي تم نقلها من قبل مراسل "الجزيرة" كانت واضحة بما فيه الكفاية: على وليد جنبلاط، في المستقبل، أن يقدم أداء أفضل عند ذكر جعجع، على الأقل إن كان يود الاستفادة من خدمات سوريا.
كانت الركيزة الأساسية الطويلة المدى للسياسة السورية في لبنان الاحتواء السياسي للطائفة السنّية. في نظر النظام الرئاسي العلوي في دمشق، إن أي تهديدات سنّية لبنانية بالتمدّد نحو سوريا، قد تعبّئ الأغلبية السنّية هناك. وأي ناتج عرضي لهذه الإستراتيجية، كان منع قيام أي تحالف سنّي مسيحي صلب في لبنان، مع المسيحيين الذين هم تقليديا، أكثر المعارضين للوجود السوري. حين تقرّب جعجع كثيرا من رفيق الحريري في أوائل العام 1990، كان جزاءه السجن، كما عندما هدّد المفتي السنّي الشيخ حسن خالد بالابتعاد عن الخط السوري خلال "حرب التحرير" التي شنّها ميشال عون ضد سوريا في العام 1989، تم اغتياله بسيارة مفخخة بالقرب من مكاتبه في دار الفتوى.
في العام الماضي، بدأ حلفاء سوريا اللبنانيون يصرّحون بأن جعجع سيكون هدفهم التالي. على أي حال، أثناء بداية تشكيل الحكومة، لم تظهر أي إشارات لحملة مقرّرة في هذا الاتجاه. ذكرت تقارير غير مؤكدة أن السعودية كانت تحمي جعجع من سوريا، ولو أن هذا ربما قد عنى فقط أنها تبعد عنه شبح الاغتيال. في الأسابيع الأخيرة، تم تسريب شائعات جديدة تفيد أن سوريا منزعجة من التقارب بين الحريري وجعجع، ولقد أبلغت السعودية بانزعاجها هذا.
لماذا تخشى سوريا جعجع إلى هذا الحد؟ هنالك عدة أسباب أبعد من الانزعاج السوري من وجود محور سنّي – مسيحي. أولا، إن شعبية جعجع داخل طائفته ترتفع بشكل مطرد. لا أحد يمكنه التشكيك في مهارته التنظيمية، وهو الشخص الأكثر قدرة على وراثة الشعبية المسيحية، بعد رحيل ميشال عون البالغ من العمر 75 سنة، والذي من غير المحتمل أن يترك وراءه تيارا فعّالا. هناك مسيحيون لن يتبعوا أبدا جعجع، لكن هناك أيضا إشارات تظهر أن الكثير من الذين عارضوه وعارضوا حزبه ذات مرة، يلتقون مع جعجع لأنه بقي ثابتا في مواقفه السياسية.
ثانيا، استطاع جعجع إقامة روابط متينة خارج لبنان، تحميه بشكل من الأشكال من سوريا. سيبقى السعوديون إلى الأبد غير مرتاحين مع قائد القوات اللبنانية، نظرا لسجله في زمن الحرب، لكنهم ربما سيترددون قبل حرمان سعد الحريري من نظير مسيحي ثمين. يمكن لجعجع أيضا أن يعتمد على تأييد كبير من الولايات المتّحدة. ربما هذا الأمر لم يبعد عنه الاعتقال، لكن الآن، بما الانسحاب العسكري السوري قد تم، يمكن لجعجع أن يستعمل هذه الروابط (تعزيز الارتباط الوثيق الذي أبقى عليه مع البطريرك الماروني نصرالله صفير، الذي يحظى بتقدير رفيع في واشنطن) لزيادة قوة نفوذه في الأوقات الحاسمة.
إن جعجع مزعج أيضا لأنه استطاع النجاة من كل الأفخاخ التي وضعتها له سوريا، ولم يعد بإمكانها القضاء عليه. لم يكسب أبدا مودة نظام الأسد، لذا حتى ولو قرّر أن يصلح خلافاته مع دمشق، سيكون قادرا على القيام بذلك من موقع الحكم الذاتي والقوّة النسبية. لا يملك السوريون شيئا ضده، ويجب أن يكونوا واعين لتناقض محتمل: بقدر ما يحاولون عزل جعجع، سيخاطرون أكثر فأكثر بدفع المسيحيين أصحاب المبادئ المتناقضة نحوه.
رغم هذا، يرى السوريون أن هنالك فوائد كثيرة في مواصلة الهجوم على قائد القوات اللبنانية. أولا، لقد أفسح السعوديون مجالا واسعا لسوريا في لبنان، وقد يرون في النهاية أن تقارب جعجع والحريري يصبح جدّيا يشكل عقبة في التقارب السعودي – السوري. إن كان الأمر كذلك، يمكن لهذا أن يقوّض شبكات الرعاية التي تتمتع بها "القوات اللبنانية". يعرف السوريون أيضا أن اعتماد جعجع الجزئي على صفير بسبب شرعيته الطائفية سينتهي في يوم من الأيام. لكن الأمر الأكثر أهمية، هو أن سوريا نجحت في إبقاء المسيحيين منقسمين، ومع المنافسة بين عون والرئيس ميشال سليمان على نيل تأييد الشارع المسيحي، يبقى جعجع ضعيفا.
سيكون من المثير للاهتمام رؤية إن كان جنبلاط سيواصل، بعد رحلته إلى سوريا، تفادي انتقاد جعجع، أم أنه سيبدأ بالمشاركة في تهميش قائد "القوات اللبنانية". إن جنبلاط، بوجود عدد كبير من المسيحيين المؤيدين لجعجع تحت سلطته في الجبل، سوف يتردد. لكن بوجود أولوية تحسين الروابط مع سوريا، إلى متى يمكنه البقاء على السياج؟ إن السؤال ليس أكاديميا. إذا انقلب جنبلاط على جعجع، فذلك يعني نهاية التحالف السنّي المسيحي الدرزي الذي جعل من "14 آذار" واقعا ممكنا.
أعلن ميشال عون يوم الثلاثاء أن 14 آذار قد "فرطت". لقد أصبح الجنرال بارعا في توقّع مزاج سوريا ولم يكن بيانه، مع الأسف، خاطئا كليّا. إنه يعرف حين يزور جنبلاط بشّار الأسد، قد لا تستمرّ الأكثرية كأكثرية. راقبوا وليد جنبلاط لمعرفة إن كانت ثقة عون مبرّرة.