#adsense

ثلاثة أخطار تهدد لبنان والمنطقة ولا خطة غربية لإسقاط النظام الإيراني

حجم الخط

كتب عبد الكريم أبو النصر في "النهار": اطلع مسؤولون أميركيون وأوروبيون جهات عربية رسمية في إتصالات أجروها معها أخيراً على معلومات تلقوها من دمشق وبيروت وطهران وتل أبيب وعواصم أخرى مفادها بأن التهديدات العلنية المتبادلة بين إيران التي تدعمها سوريا و"حزب الله" و"حماس" من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، ليست حرباً كلامية أو بديلاً من الحرب الحقيقية ولم تؤد الى إيجاد توازن رعب حقيقي بين هذين الطرفين، بحيث يتصرف كل منهما على أساس انه يملك أوراقاً وأسلحة وقدرات تردع الطرف الآخر وتمنعه من تفجير المواجهة معه.

وحذر هؤلاء المسؤولون في اتصالاتهم العربية من وجود ثلاثة أخطار جدية تهدد بإشعال حرب إقليمية جديدة لن تقتصر على الجبهتين الإيرانية والإسرائيلية بل ستشمل جبهات أخرى في مقدمها الجبهة اللبنانية، وهذه الأخطار هي: أولاً – وجود إستعدادات عسكرية حقيقية في إسرائيل يدرك مدى جديتها زعماء عدد من الدول الغربية المعنية بالأمر. ثانياً – وجود تيار متشدد في القيادة الإيرانية يرغب في تفجير المواجهة العسكرية مع إسرائيل لأهداف داخلية وإقليمية. ثالثاً – وجود إحتمال أن ترتكب القيادة الإيرانية أخطاء في الحسابات تؤدي الى إشعال حرب مع إسرائيل يشارك فيها أطراف آخرون".

هذا ما أدلت به مصادر ديبلوماسية أوروبية وعربية وثيقة الإطلاع في باريس لصحيفة "النهار" وأوضحت أن المسؤولين الأميركيين والأوروبيين المعنيين مباشرة بالملف الإيراني ركزوا في إتصالاتهم العربية هذه على المسائل الأساسية الآتية:

أولاً: إن الدول الست الكبرى أميركا وروسيا وفرنسا والصين وبريطانيا والمانيا ليست في حال حرب مع إيران، بل إنها في حال تفاوض صعب معها إذ إنها لا تزال ترغب في التوصل الى صفقة سلمية مع القيادة الإيرانية على رغم أجواء التوتر والتصعيد ووجود أزمة ثقة عميقة بينها وبين النظام في طهران. والصفقة السلمية المقترحة تضمن، من جهة، تخلي إيران عن كل خططها ونشاطاتها السرية والعلنية لإنتاج السلاح النووي بدءاً بوقف تخصيب الاورانيوم في أراضيها وعلى أساس أن تتأكد من ذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتضمن من جهة ثانية حق الجمهورية الإسلامية في امتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية المدنية وهو ما يمهد حينذاك لإجراء مفاوضات مباشرة إيرانية – أميركية – أوروبية – دولية في شأن مختلف القضايا الثنائية والإقليمية العالقة من أجل التوصل الى حلول ملائمة لها بما يؤدي الى وقف التدخلات الإيرانية السلبية الخطرة في عدد من الدول والساحات العربية والى تعزيز الأمن والإستقرار وفرص السلام في الشرق الأوسط.

ثانياً: ان الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى لا تملك خطة لإسقاط النظام الإيراني أولدعم أي عملية إنقلابية عليه من الداخل، كما أن لا علاقة لهذه الدول بالحركة الإصلاحية المعارضة للنظام في طهران وإن تكن تتعاطف مع أهدافها ومطالبها الأساسية وتتفهمها. ويرى المسؤولون الأميركيون والأوروبيون في المقابل إن النظام الإيراني يشعر بقلق حقيقي من المعارضة الشعبية الواسعة له ولسياساته وتوجهاته الداخلية والإقليمية والدولية، خصوصاً أن قادة هذه المعارضة البارزين أمثال مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي ليسوا قادرين على الإمساك بها أوتحريكها أولجمها كما يريدون، بل إن هذه المعارضة نابعة من قوى شعبية عدة تحركها نقمة عميقة عارمة على اداء القيادة الإيرانية وأعمالها وخياراتها. وهذا الوضع الصعب والمستمر لم يدفع النظام الإيراني الى الانفتاح على المعارضة والتوصل الى تفاهمات معها، بل دفعه الى مزيد من التشدد والتسلط داخلياً وخارجياً وعلى صعيد التعامل مع الملف النووي.

ثالثاً: أن الدول الكبرى ليست راغبة في حرمان إيران إمتلاك برنامج نووي متطور للأغراض السلمية كما يردد المسؤولون الإيرانيون علناً وكما أكد الرئيس بشار الأسد في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع الرئيس محمود أحمدي نجاد في دمشق يوم 25 شباط الماضي حين دافع عن حق إيران في امتلاك الطاقة النووية السلمية، واصفاً الجهود الدولية لمنعها من تخصيب الأورانيوم في أراضيها بأنها "إستعمار جديد" ومحذراً من أن "ما سيطبق على إيران سيطبق على كل الدول الأخرى لاحقاً". والواقع إن الدول الست الكبرى أكدت رسمياً وخطياً في كل العروض المقدمة الى القيادة الإيرانية منذ العام 2006 حتى اليوم دعمها الكامل لحق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي واستعدادها لتطوير هذا البرنامج في حال التوصل الى اتفاق إيراني – دولي على القضايا العالقة. ولكن في المقابل تطالب الدول الكبرى إيران بوقف تخصيب الأورانيوم في أراضيها لأنها لم تحترم التزاماتها الدولية المنصوص عليها في معاهدة منع إنتشار الأسلحة النووية التي وقعها الإيرانيون، ولأنها لم تعتمد الشفافية التامة في تعاملها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولم تتعاون مع الوكالة تعاوناً كاملاً كما تؤكد كل تقاريرها الرسمية، بل إنها أخفت وطوال 20 سنة جوانب عدة من برنامجها النووي، وهي لم تكشف حتى اليوم كل ما لديها من نشاطات نووية، مما يجعل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ترفض حتى الآن التأكيد رسمياً أن البرنامج النووي الإيراني هولأغراض سلمية وليس لأغراض عسكرية. وهذا ما يثير قلق المجتمع الدولي والمجموعة العربية عموماً باستثناء سوريا. وفي حال التوصل الى إتفاق إيراني – دولي فإن الجمهورية الإسلامية تستطيع حينذاك معاودة تخصيب الأورانيوم في منشآتها ولكن بنسبة ضعيفة وبما يتلاءم وحاجاتها النووية السلمية وشرط أن تخضع عمليات التخصيب هذه لرقابة مشددة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومفتشيها من أجل التأكد من عدم إستخدامها لأغراض عسكرية.

رابعاً: إن الغاية من إصدار قرار جديد عن مجلس الأمن يفرض عقوبات إضافية مشددة على إيران ليست زعزعة الأوضاع في هذا البلد أومعاقبة شعبه أوتوسيع نطاق الصراع الداخلي فيه، بل التأكيد للنظام الإيراني ان ثمة التزاماً دولياً قوياً ومستمراً لمنعه من إمتلاك السلاح النووي ودفع هذا النظام الى التفاوض جدياً مع ممثلي الدول الكبرى من أجل التوصل الى تفاهمات سلمية تحقق للإيرانيين مطالبهم الحيوية المشروعة وتطمئن دول المنطقة والمجتمع الدولي الى إن الجمهورية الإسلامية لا تنوي إمتلاك السلاح النووي. وقد لجأت الدول الكبرى مجدداً الى خيار العقوبات بعدما فشلت عملية التفاوض المباشر مع القيادة الإيرانية التي رفضت كل العروض والإقتراحات الدولية المقدمة اليها، وبعدما أدت سياسة "اليد الممدودة" التي اعتمدتها إدارة الرئيس باراك أوباما في التعامل مع إيران الى نتائج معاكسة إذ شجعت الإيرانيين على توسيع نطاق نشاطاتهم النووية وعمليات تخصيب الأورانيوم في منشآتهم.

خامساً: إن الدول الكبرى تريد حماية المنطقة من خطرين كبيرين يهددانها: خطر إمتلاك إيران السلاح النووي وخطر نشوب حرب لمنع إيران من التحول قوة نووية عسكرية. ولذلك تواصل الدول الكبرى جهودها وإتصالاتها من أجل تأمين نجاح الخيار الثالث أي خيار الصفقة الإيرانية – الدولية السلمية المتوازنة، فتكثف الضغوط على القيادة الإيرانية لدفعها الى التفاوض جدياً في شأن هذه الصفقة، وكأنها تريد "إنقاذ إيران من ذاتها ومن تطرفها ومن خياراتها الخطرة" على حد قول ديبلوماسي أوروبي مطلع. وإذا فشل هذا الخيار الديبلوماسي – السلمي الضاغط على إيران فإن الخيار العسكري يصير مرجحاً وقابلاً للتطبيق إذ يصعب حينذاك إسقاطه أومنع أي دولة معنية بالأمر من إستخدامه.

وضمن هذا السياق يكتسب أهمية خاصة تحذير المسؤولين الأميركيين والأوروبيين المعنيين بالملف الإيراني في اتصالاتهم العربية من وجود ثلاثة أخطار حقيقية تهدد المنطقة في المرحلة المقبلة هي الآتية:

أولاً: الخطر الإسرائيلي. ذلك إن ثمة تفاهماً غير معلن بين إسرائيل والدول الغربية الكبرى على ضرورة عدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي لأن مثل هذا التطور الكبير يقلب المعطيات وموازين القوى في الشرق الأوسط لمصلحة الإيرانيين وحلفائهم المتشددين ويفتح الباب أمام حروب ونزاعات مسلحة على جبهات مختلفة، مما يجعل خيار ضرب المنشآت النووية الإيرانية "الأقل ضرراً وكلفة" وفقاً لما أكده مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لزعيم أوروبي التقاه حديثاً. وقد بدأت منذ أشهر عملية إسرائيلية واسعة ومعقدة إستعداداً لضرب إيران، وهي عملية تشمل من جهة تأمين القدرات الدفاعية والهجومية اللازمة المختلفة للمواجهة مع الجمهورية الإسلامية ولحماية إسرائيل من الردود الإنتقامية، وتشمل أيضاً إجتماعات تنسيق وتشاور تحاط بالسرية في شأن سبل تنفيذ الضربات الجوية والصاروخية للمنشآت الإيرانية بين كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين وجهات غربية بارزة معنية بالأمر مباشرة. وكما قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: " لن يعترف أي مسؤول أميركي أوأوروبي بأنه مطلع على الاستعدادات الحربية الإسرائيلية الجارية أو بأنه يوافق عليها، بل إن المسوولين الغربيين عموماً يؤكدون علنا رفضهم اللجوء الى الخيار العسكري في التعامل مع إيران. لكن الأساس هو أن إسرائيل ستشن في الوقت الملائم وبعد أن تكون فشلت كل الجهود الدولية لإقناع إيران بالتخلي عن مساعيها لامتلاك السلاح النووي، هجمات واسعة ومفاجئة على مجموعة كبيرة من المنشآت والمواقع النووية والحيوية الإيرانية، أيا تكن النتائج وردود الفعل عليها، لأن حكومة بنيامين نتنياهو تتصرف على أساس انها تخوض "معركة وجود" مع النظام الإيراني الحالي، وان التعايش مع إيران المسلحة نووياً "أمر مستحيل "بالنسبة الى الإسرائيليين".

ثانياً: الخطر الثاني هو وجود تيار قوي متشدد داخل النظام الإيراني تمثله خصوصاً قيادة الحرس الثوري ومن يرتبط بها أو يدعمها، يرغب في "إشعال الشرق الأوسط" أو في حصول مواجهة عسكرية كبرى مع إسرائيل، أياً تكن نتائجها وثمنها وانعكاساتها، على أساس إن الجمهورية الإسلامية "ستخرج منها منتصرة" وستحقق مكاسب سياسية وإستراتيجية لها ولحلفائها وستعزز مواقع النظام في الداخل وستلحق أضراراً جسيمة بالدولة العبرية وبحلفاء الولايات المتحدة. وإنطلاقاً من هذا الإقتناع يرفض هذا التيار المتشدد المهيمن فعلاً على السلطة التوصل الى تسوية سلمية مع الدول الكبرى للمشكلة النووية ولبقية القضايا العالقة. وفي رأي ديبلوماسي أوروبي مطلع "أن هذا التيار المتشدد مستعد لجر الإسرائيليين الى الحرب في الوقت الملائم له مستخدماً في ذلك حلفاءه اللبنانيين والفلسطينيين من أجل تحويل المعركة الإيرانية – الدولية معركة حول موقع إسرائيل ومصيرها في المنطقة. وهذا ما يثير قلقاً جدياً لدى المسؤولين الأميركيين والأوروبيين المعنيين بالأمر".

ثالثاً: الخطر الثالث هو أن القيادة الإيرانية يمكن أن ترتكب أخطاء في الحسابات كما فعل صدام حسين في السابق، فتتصرف على أساس ثقة مفرطة في الذات وفي قدراتها العسكرية والسياسية وتواصل تحدي المجتمع الدولي وتستمر في جهودها لامتلاك السلاح النووي ضد إرادة الدول الكبرى، أوتتصرف على أساس أن إسرائيل لن تجرؤ على مهاجمتها خوفاً من ردها ومن رد "حزب الله" وحلفائها الآخرين عليها، أوتتصرف على أساس أن أميركا ضعيفة وليست راغبة في الحرب أو إن أميركا خائفة من أي حرب جديدة لأنها منهمكة بتأمين إنسحاب "مسؤول" لقواتها من العراق ولأنها تريد تحقيق إنجازات عسكرية في أفغانستان، فتمنع إسرائيل فعلاً من مهاجمة المنشآت النووية والحيوية الإيرانية. وكما قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "هذه كلها أخطاء في الحسابات وقد تساهم في تفجير حرب إقليمية واسعة اذا لم تعد القيادة الإيرانية النظر جدياً في تقويمها لمسار الأوضاع وتتصرف بواقعية وتقبل اليد الأميركية – الدولية الممدودة اليها فتعقد صفقة سلمية لمصلحتها ولمصلحة الأمن والإستقرار في المنطقة".
 

المصدر:
النهار

خبر عاجل