#adsense

سليمان يواجه أحد خيارين: إما الفراغ وإما التعطيل!

حجم الخط

لأنه ورث وضعاً شاذّاً ومذهبياً لم تخرجه منه الانتخابات النيابية
سليمان يواجه أحد خيارين: إما الفراغ وإما التعطيل!

يقول سياسيون مخضرمون عاصروا عهودا سابقة إن عهد الرئيس ميشال سليمان منها هو الاصعب، سياسيا وامنيا وخصوصا طائفيا ومذهبيا. فعهد الشيخ بشارة الخوري كان الحكم فيه للاكثرية النيابية التي تفوز في الانتخابات وذلك تطبيقا للنظام الديموقراطي، وكان التنافس في تلك الانتخابات، تنافسا بين خطين سياسيين، خط حزب "الكتلة الدستورية" وخط حزب "الكتلة الوطنية"، ولم يكن التنافس كما هو اليوم مذهبيا وطائفيا. وكان رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة والوزراء من الاكثرية النيابية الفائزة في الانتخابات، وهي اكثرية تتألف من كل المذاهب والمناطق ومن اوزان سياسية متفاوتة، فكان اذا لم يؤت بوزير يمثل مذهباً ومن وزن سياسي ومن خط سياسي معين، لسبب من الاسباب، فإنه كان يؤتى ببديل من الوزن نفسه. واستمرت الممارسة الديموقراطية على هذا النحو في عهد الرئيس كميل شمعون ومن ثم في عهد الرئيس فؤاد شهاب، لا بل ان وظائف الفئة الاولى كان شاغلوها يتغيرون غالبا مع تغير كل عهد، بحيث يتم تعيين مَن ولاؤهم للعهد والسلطة وليس للاحزاب او زعماء الدين، كي يكونوا مؤتمَنين على حسن سير العمل وتوفير اسباب النجاح للعهد، هذا النجاح الذي كان ينسب اليه لانه هو الثابت في مركزه مدة ست سنوات فيما الحكومات تتغير ولا مدة لها، وكان الموظفون في الفئة الاولى الذين يمتون سياسيا لعهد سابق يعرفون انهم قد يتعرضون لحركة مناقلات وتشكيلات وتعيين مكانهم من هم في الخط السياسي للعهد الجديد.

هذا الوضع السياسي اخذ يتغير مع اقتراب عهد الرئيس شارل حلو من نهايته وذلك عند دخول اول دفعة من المسلحين الفلسطينيين الى منطقة العرقوب، وادى هذا الدخول الى انقسام اللبنانيين وأهل السلطة بين مؤيد لهم ومعارض، بحيث باتت القرارات التي تصدر عن مجلس الوزراء ولا تراعي خاطر القيادة الفلسطينية، التي اصبحت مسيطرة على بيروت، غير قابلة للتنفيذ، او ان تنفيذها يعرّض السلم الاهلي للخطر. واستمر هذا الوضع الشاذ الذي تتقاسم فيه التنظيمات الفلسطينية المسلحة عمل السلطة اللبنانية وإلا اطل على البلاد شبح الانقسام او التقسيم، خصوصا بعدما اصبحت قوة الميليشيات اللبنانية والفلسطينية تفوق قوة الدولة وتفرض هيبتها ليس على الناس فحسب بل على الدولة ايضا.

وقد تعايش عهد الرئيس امين الجميل وعهد الرئيس سليمان فرنجيه وعهد الرئيس الياس سركيس مع هذا الوضع الشاذ، بين تقاسم حينا وانقسام وتقسيم حينا آخر بحسب تطور الوضع المسلح على الارض، ولم يعد في الامكان تطبيق النظام الديموقراطي تطبيقا صحيحا، الى ان جاء حكم الوصاية السورية على لبنان في عهدي الرئيس الياس الهراوي والرئيس اميل لحود، فصارت الديموقراطية تطبق استنسابيا وكيفياً، سواء في الانتخابات النيابية او في تشكيل الحكومات، ووفقا لقوانين تخالف اتفاق الطائف. فرغم ان مجلس النواب الذي انبثق من انتخابات قاطعها 85 في المئة من الناخبين، فقد اعتبر مجلسا شرعيا يمثل ارادة الشعب اللبناني… وكانت الموالاة في ظل حكم الوصاية موالاة له والمعارضة يختارها هذا الحكم نفسه كي يقال ان في لبنان ديموقراطية وإن ممسوخة، وبات على من يريد المعارضة من دون استئذان ان يختار بينها وبين تعرض مصالحه للتعطيل والخدمات العامة للعرقلة او مغادرة البلاد.

وقد ورث الرئيس ميشال سليمان هذا الوضع الشاذ بكل سيئاته واصبح الامن في البلاد وحسم الخلافات السياسية من مسؤولية حكم لم توضع بين يديه ادوات ليحكم بها كتلك التي كانت في ايدي سلطة الوصاية السورية والتي ذهبت بذهابها.

وكان الامل في ان تُخرج الانتخابات النيابية الاخيرة لبنان من هذا الوضع الشاذ فتحكم الاكثرية التي تكون قد فازت فيها وتعارض الاقلية، الا ان نتائج هذه الانتخابات لم تستطع ان تخرج لبنان من هذا الوضع المشكو منه ويعود تطبيق النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، لان الاقلية اشترطت تشكيل حكومة وحدة وطنية والا امتنعت عن المشاركة فيها، وعندها يصبح من المتعذر تشكيل اي حكومة لان عملية التشكيل لم تعد تتم في هذه الحالة على اساس تمثيل سياسي بل على اساس تمثيل طائفي، اذ باتت كل طائفة تحتكر حق التمثيل، وهي التي تسمي وزراءها والحقائب والا قررت المقاطعة…

وهكذا وُضع العهد الحالي وهو في بدايته بين خيارين: إما مواجهة الفراغ الذي تعرضت له الانتخابات الرئاسية مدة ستة اشهر، وكذلك عند تشكيل حكومة وحدة وطنية، واما التعطيل على يد مثل هذه الحكومة فكان اختيار التعطيل المحتمل كأهون الشرين والاقل سوءا من الفراغ الذي يدخل البلاد في المجهول.

وقد تبين حتى الآن ان ما يسمى حكومة وحدة وطنية تضع البلاد بين امرين احلاهما مر: اما الفراغ اذا استقال منها وزراء مذهب معين وتعذّر تعيين بدائل منهم، واما تعطيل اتخاذ القرارات، خصوصا في المواضيع المهمة، اذا تعذر التوافق عليها. واذا صدرت هذه القرارات بالاكثرية المطلوبة، فان من لا يرضى بها قد يواجهها في الشارع ويتكرر ما حصل في 7 ايار، وهذا طبيعي عندما يكون السلاح خارج الدولة واقوى من سلاحها.

هل يواجه الرئيس سليمان ما واجهه رؤساء قبله في ظل وجود الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ولم يكن في الاستطاعة اتخاذ قرارات اذا لم تكن مقبولة منها، واذا ما اتخذت صار الرد عليها بالتظاهرات والاعتصامات والاضرابات، ان لم يكن بالسلاح، وهذا ما جعل الرئيس شارل حلو رحمه الله يروي بظرفه الطرفة الآتية: "كنت جالسا في مقعدي على متن الطائرة التي اقلتني الى موسكو لتمثيل الرئيس امين الجميل في مراسم دفن الزعيم السوفياتي الراحل يوري اندروبوف والى جانبي رفيقي في الوفد نقيب الصحافة محمد البعلبكي الذي كان منذ بداية الرحلة يتأمل ويتفحص رجلاً تغطي وجهه ملامح الشيخوخة، وكان يحاول ان يتذكر هذا الوجه الذي لا بد انه رآه سابقا، فما كان منه الا ان سأل احد ركاب الطائرة: "من هو هذا الشيخ المسن الجالس هناك؟". فأجاب: "ولو! الا تعرفه؟ انه خالد بكداش، وهو اشهر من ان يعرَّف". عندها اقترب النقيب البعلبكي من زعيم الحزب الشيوعي السوري والقى التحية عليه وعرّفه بنفسه، فرحب بكداش ترحيبا حارا بالنقيب كصديق قديم، وقال البعلبكي لبكداش: "اريد ان اعرفك برئيسنا السابق شارل حلو. الا تعرفه؟". وقال البعلبكي لي: "اريد ان اقدم لك الاستاذ خالد بكداش، اظن انك تعرفه". فوقفت والدهشة تعتريني وقلت له: "اهلا اهلا، منذ زمن بعيد لم ارك، لماذا لم تزرنا في لبنان؟"، فأجابني بكداش: "منذ 18 سنة حظر علي دخول الاراضي اللبنانية، اذ ان هناك قرارا من السلطة اللبنانية يمنع دخولي الاراضي اللبنانية". عندها قلت له: انت رجل عظيم. نحن في لبنان يجب ان نقيم لك تمثالا تقديرا لشخصك". فرد بكداش مستغربا: "لماذا يا فخامة الرئيس؟". فقلت له: "كيف لا وانت الوحيد في العالم الذي ما زلت تحترم قرارات السلطة الشرعية اللبنانية؟"!

هل يتكرر مع الرئيس سليمان ما رواه الرئيس شارل حلو اذا ظل في لبنان من لا يريد دولة ولا سلطة حتى ولا وطنا، وان من زرعوا الاشوك في طريقه يريدون تركه يقلعها وحده بيديه حتى اذا عجز طلب منهم النجدة؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل