يتتابع الانقلاب المقنّع لدى قوى "8 اذار" فصولا تصعيدية وصلت الى مقام رئاسة الجمهورية وشخص الرئيس التوافقي الذين ارادوه واتفق الجميع في الدوحة على انتخابه …
فبعد الانقلاب على نتائج الانتخابات الديمقراطية وسقوط اقنعتهم المتسترة وراء موافقتهم سلفا على نتائجها – حيث ضغط "حزب الله" ومعه الحلفاء – باتجاه تجاهل نتيجة تلك الانتخابات وتخطيها وصولا الى اسقاطها والقفز فوق الارادة الشعبية بابتداع خطاب استفزازي تارة بالكلام عن اكثريات شعبية وطورا بالكلام عن بدعة جديدة تعرف باسم "الديمقراطية التوافقية" – اتخذ القرار لدى "الحزب" وحلفائه بالمضي في خطة انقلابية تقضي رويدا رويدا على النظام الدستوري اللبناني والاسس التي بني عليها هذا النظام وصولا الى الانقضاض على معالم ومؤسسات البنية السياسية الديمقراطية والبرلمانية لهذا النظام.
فما موقف الوزير السابق وئام وهاب الاخير الا التظهير المباشر لهذا القرار : فبعد تعطيل الحياة النيابية والدورة البرلمانية على يد الرئيس – الطرف نبيه بري – وتعطيل اصول تشكيل الحكومات من الفريق الاكثري (مستفيدين من ضن الاكثرية بامن وسلامة ووحدة لبنان على ما عداها من اعتبارات على حسابها) والتوغل في مفاصل الادارات الحكومية كافة وارساء معادلة الوحدة الوطنية المزيفة في حكومة الرئيس الحريري الحالية – استباحت قوى "8 اذار" كافة المقامات والرئاسات والمؤسسات وصولا الى المقامات الروحية تارة بالتهجم على مفتي الجمهورية قباني وطورا بالتهجم على غبطة ابينا البطريرك صفير ( وقد تولى هذا الشق بامتياز الفريق المسيحي لقوى "8 اذار" وعلى رأسه الجنرال ) – كما استباحت الدستور والمعادلات السياسية والتوازنات التاريخية وضربت بعرض الحائط مبادىء السيادة اللبنانية واستقلال الدولة ومنطق المؤسسات الدستورية والشرعية من امنية وسياسية وصولا الى التطاول على رئاسة الجمهورية والرئيس ميشال سليمان والعمل على احباط دوره وضرب صورته من خلال القمة الثنائية الاخيرة في دمشق بين الرئيسين السوري والايراني بحضور امين عام حزب الله – واطلاق تسمية القمة على هذا اللقاء – بما شكل بالنسبة الينا كما سبق وقلنا في اكثر من مقالة – نقطة الانطلاق لتجاوز الدولة اللبنانية واصول التعاطي معها الى الذهاب المباشر نحو منطق الانقلاب على مؤسسات الدولة اللبنانية وافهام الجميع بان السيد حسن نصرالله هو الفريق اللبناني الذي يركن اليه الثنائي السوري – الايراني ولا لبنان بالنسبة اليه الا من خلال دور ووجود "حزب الله" الاستراتيجي .
فالانقلاب واضح في الاعداد والتنفيذ والمواقف والاشارات المرسلة الى الجميع: منطق السيطرة على القرار اللبناني بادوات لبنانية لاعادة ربط لبنان وقرار الحرب والسلم فيه بقرار ومصالح الثنائي السوري الايراني. فاستسهال التهجم على المقامات ومطالبة الرئيس سليمان بالاستقالة ليس سوى علامات ساعة سقوط اجواء الوفاق الوطني الهش وبداية انطلاق ديناميكية مواجهة داخلية جديدة تجابه اليد الممدودة من قوى "14 اذار" والتي لا مصلحة لقوى "8 اذار" في ملاقاتها لما لذلك من تأثير على نزع فتيل الارتهان والتبعية للمحور الاقليمي الثنائي ان حصل توافق في لبنان بين اللبنانيين على قيام الدولة وتوحيد القوى في سبيل دعم سيادة الدولة واستقلالها.
فوئام وهاب ما كان ليجرؤ على مطالبة رئيس الجمهورية بالاستقالة لولا "قبة الباط" السورية – لان النظام السوري بحاجة الى اسقاط هيبة المؤسسات الدستورية التي تقف عائقا امام محاولات تجويف الوضع اللبناني وافراغ النظام وابقاء الوضع الداخلي في لبنان في اطار هش ومهزوز تستثمره دمشق وحليفتها طهران في سبيل اطلاق يد المقاومة و"حزب الله" تحديدا ومن خلاله يد التبعية للمشروع الايراني – السوري في المنطقة – فالرئيس سليمان وقبله الرئيس الحريري وقبلهما القضاء وقوى الامن الداخلي والجيش اللبناني – كلهم ركائز وجود سيادة لدولة وعامل استقرار سياسي داخلي لا يخدم استرتيجيا مصلحة الثنائي السوري – الايراني .
من هنا فان ما قاله وئام وهاب بالامس خطير وخطير جدا لانه يعني امرين اساسيين:
الاول: ان الرئيس ميشال سليمان بات عقبة اساسية امام تطويع وقولبة القرار اللبناني الرسمي لصالح التحالف الاقليمي الايراني – السوري، وكأن هذا التحالف كان يتوقع من الرئيس سليمان انخراطه في مشروع المواجهة وخاب امله.
الثاني: ان لبنان والاستقرار الداخلي مهددان بفعل عودة المنطق التصادمي في التعاطي بين الفرقاء الداخليين – وما تأكيد وهاب المتجدد خلال الساعات القليلة الماضية على موقفه من المطالبة بالاستقالة الا دليلا ثابتا على نية التصعيد وفتح معركة داخلية تعيد خلط الاوراق وتوعية العصبيات الداخلية – الامر الذي نرى وجوب تفويته باي ثمن منعا لاعطاء الخارج الاقليمي ورقة عودة الفوضى الى الداخل وتصوير لبنان مجددا على انه غير قادر على ضبط وضعه واظهار المؤسسات الدستورية على انها غير قادرة على التحكم بالاوضاع ما يخدم نظرية عودة الوصاية الخارجية على قاعدة تقاتل اللبنانيين وانقسامهم الحاد.
وفي خضم هذه المعركة الجديدة المفتوحة ضد الرئاسة الاولى يبرز موقف الجنرال عون في ادق مراحل حراجته وقد سارع الى نفي علاقته لا بل تبنيه لموقف وهاب الخارج من اجتماع معه في الرابيه – وعادت وكررت شخصيات كتلته النيابية عدم علاقته وعدم مشاركته مثل هذا الموقف – ما يطرح حقيقة الانسجام في المواقف حاليا بين مكونات "8 اذار" ومدى وحدة الرؤية والاولويات – ونحن نعلم ان كل مكون يغني على ليلاه – فيتكلمون عن تفتت "14 اذار" وذهابها الى البيت فيما هم انفسهم على ما يبدو يسرعون الخطى حتى في هذا الاطار لاستباق الاخرين في عودتهم الى المنزل لانهم هم الذين فعلا يفقدون رويدا رويدا وحدتهم وهم الذين باتوا في حالة انقسام ظهرت بوادره في ملابسات موقف وهاب من الرابيه.
ويبقى ان نشير ردا على وئام وهاب ان قوى "14 اذار" وتحديدا المسيحيين في هذا التحالف – عندما طالبوا باقالة الرئيس اميل لحود فلان الاخير لم يكن تمديد عهده الا نتاج قرار مخابراتي من الوصاية السورية والنظام الامني اللبناني – السوري انذاك. فكان لحود رئيسا لجمهورية ملحقة بدولة الوصاية – بينما الرئيس ميشال سليمان لم يأت الا بناء على طرح حلفائه وملاقاة "14 اذار" لهذا الطرح ما انتج توافقا وطنيا على انتخابه رئيسا توافقيا بعد اتفاق الدوحة – فاصبح رئيسا اصلاحيا وموحدا للجميع تحت سقف بعبدا ولم يدخل طرفا الى جانب فريق لبناني ضد فريق لبناني اخر واكثر من ذلك عرف الى الان كيف يعطي المقاومة حقها ويحفظ دورها في مواقفه – ولو كلفه ذلك بعض الانتقادات من قوى "14 اذار" ولكن بتفهم متبادل للظروف والخلفيات.
لذا فلا مجال للتشبيه بين الرئيسين ولا يستطيع احد ان يقارن ما كانت تطالب قوى "14 اذار" انقاذا لسيادة واستقلال لبنان من عهد لحود المفروض بالاكراه على اللبنانين وبين ما يطالب به وهاب اليوم في وجه الرئيس سليمان من امر انقلابي على نظام وحكم ارتضاه اللبنانيون واثبت الى الان نجاحه في تأمين استقرار سياسي للبلاد.
باختصار … انه فصل جديد من فصول امر عمليات سوري – ايراني ببدء الانقلاب على الحكم والنظام والاستقرار في لبنان لان الاستحقاقات الاقليمية باتت داهمة واستقرار لبنان المؤدي الى تمتعه بشخصية سياسية مستقلة وبقرار سيادي مؤسساتي من شأنه التضييق من هوامش تلاعب الثناني الاقليمي بالورقة اللبنانية في اطار استراتيجية المواجهة الكبرى …
انها المؤشر الانقلابي المباشر … فلنتنبه جميعا الى خطة حماية لبنان والنظام ومواجهة هذا المنحى الانقلابي ..