أما وبعد أن "وافقت" القيادة السورية على استقبال النائب وليد جنبلاط، تتركز الأنظار على جنبلاط العائد من سوريا لا الذاهب إليها، حيث ينقسم الرأي بين قائل بأن الزعيم الدرزي سيستعيد دوره كرأس حربة في الصراع، إنما هذه المرة مع 8 آذار وضد 14 آذار، هذا الدور الذي شكل تاريخيا القاعدة في البيت الجنبلاطي، بينما الحياد هو مجرد استثناء، وخصوصا أن النظام السوري لا يقبل بأنصاف الحلول، فـ"إما أن تكون معنا أو ضدنا".
وبين قائل بأن النائب جنبلاط سيحافظ على تموضعه في "منزلة بين منزلتين"، لأن قواعد الصراع لم تعد هي نفسها التي كانت قبل العام 2005، وبشكل أدق قبل اتفاق الطائف، أي بين المسيحيين والمسلمين، إنما تحولت المواجهة من طائفية إلى سياسية، وأي بعد مذهبي للصراع هو من طبيعة إسلامية (سنة وشيعة) لا مسيحية.
وعليه، فأي من هاتين الوجهتين أقرب إلى الواقع والحقيقة؟ لاشك أن العودة إلى 2 آب الماضي ومسارعة جنبلاط إلى توضيح مواقفه الشهيرة التي أطلقها في ذاك اليوم بعد الرد الجامد والعنيف لتيار المستقبل تقدم الجواب الشافي، وهذا التوضيح هو أكبر دليل إلى أن سيد المختارة لا يستطيع الذهاب بعيدا في تموضعه السياسي، لأن انتقاله إلى 8 آذار بالموقف والسلوك يعني انفصاله عن تيار المستقبل الذي يشكل رأس حربة مشروع 14 آذار، وهذا الانفصال تترب عليه تداعيات عدة أبرزها:
أولا على المستوى السياسي: الالتحاق بمحور حزب الله-سوريا-إيران يعني الابتعاد عن محور عرب الاعتدال، لأن أحد أوجه الانقسام السياسي في لبنان هو الانقسام على مستوى المنطقة، وبالتالي هل من مصلحة جنبلاط الوصل مع دمشق وطهران والفصل مع الرياض والقاهرة؟
ثانيا على المستوى الانتخابي: فعدا عن أن الصوت السني هو الحاسم في انتخاب نائبي الدروز في كل من بيروت والبقاع الغربي، فإن تحالف الإقليم السني مع الشوف المسيحي يعني إعادة انتاج سيناريو العام 1957، ما يشكل تهديدا للزعامة الدرزية في عقر دارها. أي، بشكل أوضح، إن تحالف مسيحي 14 آذار ومسلميها في قضاء الشوف يعني سقوطا مدويا لجنبلاط ولائحته، وبالتالي إذا كانت ظروف 7 أيار قد فرضت التقاء "أمنيا" مع حزب الله، فإن التقاء مصلحيا-نيابيا يفرض الالتقاء مع 14 آذار.
ثالثا على مستوى التطورات المرتقبة: لعل المرحلة التي نحن بصددها هي مرحلة انتقالية بامتياز، بمعنى أن أي تطور في مسار المحكمة الدولية أو الصراع العربي-الإسرائيلي أو الملف النووي الإيراني سيعيد خلط الأوراق رأسا على عقب، خصوصا أن وضع، حتى لا نقول مصير، كل من حزب الله وسوريا وإيران سيتأثر مباشرة بتطور أي من هذه الملفات في هذا الاتجاه أو ذاك، وبالتالي هل من مصلحة النائب وليد جنبلاط الالتحاق بمحور والاصطدام بآخر في ظل مرحلة انتقالية حبلى بالتطورات السياسية المتسارعة؟
تأسيسا على ما تقدم، يستحيل أن يتخلى النائب وليد جنبلاط عن وسطيته التي عاد وأكد عليها في مقابلته مع محطة الجزيرة، هذه المقابلة التي كان الهدف منها ضرب عصفورين بحجر واحد: طي صفحة 14 آذار التي جاء توقيت المقابلة عشية الذكرى الخامسة لانطلاق انتفاضة الاستقلال، وفتح صفحة جديدة مع سوريا على قاعدة الأولوية لمشروع المقاومة في لبنان والمنطقة والاعتذار العلني والصريح. غير أن النائب جنبلاط فاجأ كل الوسط السياسي إن بتمسكه بوسطيته وتأكيده على مواقف-ثوابت من اتفاق الطائف والهدنة ورفض التمحور وتفرد لبنان بالمواجهة وحتمية العبور إلى الدولة، أو برفضه الاعتذار واستبدال العبارة التي طلبت منه "أنا اعتذر" بـ"أنا أتجاوز"، ما ولد انطباعا لدى الوسط السياسي بأن الزعيم الدرزي رسب في امتحان "عبوره إلى سورية". وأي متابعة للحملة التي شنت عليه في الصحافة السورية واللبنانية القريبة من دمشق تؤكد هذا الانطباع.
أما مسارعة حزب الله ودمشق لتدبيج البيان-الامتحان، ما هو إلا استدراك احتوائي لوسطية بدت أقرب إلى 14 آذار منها إلى 8 آذار، خصوصا بعد أن أعادت الحركة الاستقلالية تأكيد حضورها واستمرارها في ثلاث محطات: مؤتمر البريستول في 31 كانون الثاني، الاحتشاد الشعبي في 14 شباط، ومؤتمر البريستول في 14 آذار الماضي. فحزب الله يتمنى لو يندمج جنبلاط بشكل كامل في محوره، إنما أقصى ما يتمناه ضمنا في الظرف الحالي هو أن يكون أقرب إليه من 14 آذار، وسيتعامل معه على غرار تعامله مع رئيس الجمهورية، أي عبر موازين القوى التي فرضت وتفرض على كل من بعبدا والمختارة التماهي مع الضاحية أكثر من بيت الوسط ومعراب.
ولعل وسطية جنبلاط بين تيار المستقبل وحزب الله الناتجة عن توازن الرعب القائم بين الرياض وطهران ستنسحب بدورها على وسطية مماثلة بين مسيحي 14 و8 آذار، لأن ثمة وحدة حال مسيحية-إسلامية، إلا في حال تمكنت دمشق من الفصل بين مسيحيي 14 آذار ومسلميها، وهذا ما يبدو مستحيلا، علما أن هذا الاحتمال يسهل المهمة والدور على جنبلاط الذي كان فضل، ربما، لو انضم الرئيس سعد الحريري إلى محور المواجهة! فهل يسير جنبلاط على خطى الحريري الذي يعيد بناء الثقة مع دمشق من موقعه السياسي، أم يلجأ إلى خطاب لا يعبر عن حقيقة التوازنات المحلية والإقليمية ويؤدي به إلى الابتعاد عن حلفائه الطبيعيين دون الاقتراب عمليا لا نظريا من خصومه المفترضين؟
