لا احد يستطيع أن يزايد على الرئيس سعد الحريري في ثلاثة امور: حبه لوالده الشهيد، والتصاقه بلبنان، والتزامه العروبة. الرئيس الشاب وفي اعوام قليلة برهن عمق ارتباطه بالأمور الثلاثة مما يجعله مؤتمنا على قيادة السفينة التي تبحر اليوم في مرحلة جديدة ستحدد مسار الوطن لسنوات طويلة.
ثابر منذ ان حمل نعش والده على كتفيه مع مئات الآلاف من اللبنانيين على السعي الى بقاء ثورة الارز واقفة على قدميها وكان آخر برهان في 14 شباط الماضي. وهو منذ ان دخل السرايا في احدى نتائج هذه الثورة يسعى الى وقوف البلاد على قدميها.
ذهب الى دمشق قبل اسابيع ليفتح صفحة جديدة مع الرئيس السوري بشار الاسد بعدما سبقته السفارة اللبنانية في العاصمة السورية وهي الاولى في تاريخ البلدين الى فتح ابوابها. وسيذهب قريباً الى دمشق مجدداً ليطلق مرحلة من العلاقات الثنائية التي ترمي الى خدمة المصالح المشتركة.
من ينصت الى هذه الضوضاء الداخلية التي ما ان تهدأ حتى تتجدد يظن ان الرهان على فتح صفحة جديدة بين لبنان وسوريا هو حلم ليلة صيف. لكن من يتابع الرئيس الحريري عن كثب يدرك انه آت من المستقبل وذاهب اليه. فهو لا يضمر ضغينة بل عزيمة. ولا يكتفي بولادة الاستقلال الثاني بل يمضي الى تثبيته. ولا يعتبر كرسي رئاسة الحكومة نهاية المطاف بل بداية تحديات قال ولا يزال انها اولويات الناس.
انه ابن مدرسة رفيق الحريري التي حملت حتى استشهاده شعار "البلد ماشي". وهو اليوم يرفع شعار "البلد يتقدم".
ما تحقق من انجازات وطنية كبرى في الاعوام الخمسة الماضية سيتم البناء عليها وليس التغني بها. والرئيس الحريري يعمل على ثلاثة مسارات: الاول مسار انجاز الحكومة التي يترأس ما وعدت به بتلبية اولويات الناس، وهذا المسار لا هوادة فيه والجميع على محك الالتزامات. والمسار الثاني، العلاقات اللبنانية – السورية التي ستدخل قريبا منعطفا مهما سيكون عنوانه الابرز ترسيم الحدود من اجل اقفالها في وجه الرياح الضارة التي تهب عبرها على البلدين وفتحها واسعة على الاستقرار والتعاون وفرض تبادل المنافع وتكاملها. والمسار الثالث، فتح نوافذ لبنان على الاعتدال العربي الذي يواجه تطرفا تجسده اليوم اسرائيل متحدية السلام العالمي وليس الاقليمي فحسب، بينما لا يزال النظام الايراني مصدر توتر للعالم العربي تحت ستار مواجهة اسرائيل واميركا.
السؤال: هل ينجح الاستقلال الثاني في الوفاء بالمسؤوليات التي يحملها اليوم رمزه البارز في رئاسة الحكومة؟ بناء على ما سبق في الاعوام الخمسة الماضية تبدو الآمال كبيرة جدا. اما بناء على ما يلوح في الافق فالتحديات كبيرة جدا ايضا.
كتب الكثير هذا الاسبوع عن كارلوس سليم المكسيكي اللبناني الاصل الذي يتربع على عرش اغنى اغنياء العالم. وما بقي ليكتب هو ان مصادفة جعلت لبنان هذه السنة في قلب قائمة اغنى اغنياء العالم. فسليم مكسيكي اصله لبناني حمل صولجان ملك الثروات. والأمير الوليد بن طلال امه لبنانية يحمل صولجان اغنى اغنياء العرب. وآل الحريري وميقاتي يحملون صولجان اغنى اغنياء لبنان. للوهلة الاولى يشعر كل لبناني كأن محفظته اصبحت محشوة بالمال. لكن ملايين اللبنانيين ليسوا كذلك، والنصيحة الصينية التي تقول: "لا تعطه السمكة بل علّمه كيف يصطادها" هي الاهم. وهذا هو التحدي الأكبر امام أولياء امر الاستقلال الثاني.