في فترة الحرب الباردة التي كانت «مندلعة» بين منظومة الدول الاشتراكية برئاسة الاتحاد السوفياتي وبين منظومة دول العالم الحر بزعامة الولايات المتحدة الاميركية، التقى في بلد محايد رجل اميركي وآخر سوفياتي، فقال الاميركي للسوفياتي: اين انتم في الاتحاد السوفياتي من الحرية التي ننعم بها نحن في الولايات المتحدة حيث يستطيع مطلق اميركي، ان يهاجم رئيس جمهورية الولايات المتحدة الاميركية فرّد عليه السوفياتي ضاحكاً: ونحن ايضاً يستطيع مطلق سوفياتي ان يقف في الساحة الحمراء ويهاجم رئيس جمهورية اميركا.
عادت الى ذاكرتي هذه النكتة السياسية عندما كنت اتابع ما قاله غبطة البطريرك الماروني نصرالله صفير تعقيباً على ما تعرّض له الرئيس ميشال سليمان من حملات في الآونة الاخيرة، وتحديداً بعد زيارته واشنطن، واطلاقه هيئة الحوارالوطني، الى درجة ان الوزير السابق وئام وهاب المعروف بقربه من دمشق، والقريب من حزب الله والصديق الجديد للنائب ميشال عون، اعتبر من منزل النائب عون بعد خلوة معه، ان هناك عطلاً في رئاسة الجمهورية، وعلى رئيس الجمهورية ان يستقيل، فاعتبر البطريرك صفير انه عبثاً يبني البناؤون اذا لم يبن اهل البيت، وقال آخرون في المجال ذاته، هل يتجرأ وهّاب ومن هم في خطه، ان يوجهوا مثل هذا الكلام الى الرئيس السوري مثلاً، او الايراني، او غيرهما من الحلفاء.
وما دام الشيء بالشيء يذكر، يمكن القول بان علاقة بعض الشخصيات اللبنانية او الاحزاب، او رجال الدين، بدول خارجية ليست بجديدة، فقيادة الحزب الشيوعي في الاربعينات والخمسينات والستينات لم تكن ترى خطأ في اي قرار او موقف تتخذه القيادة السوفياتية في موسكو، والامر ذاته انسحب في الخمسينات على الناصريين الذين كانوا وراء حركة 1958 المسلحة ضد الرئيس كميل شمعون وبمباركة من القاهرة ودمشق.
والمسلمون السنّة في الستينات والسبعينات، كانت المصلحة الفلسطينية تطغى عندهم على المصلحة اللبنانية، ولذلك اندلعت الحرب في لبنان والتي استمرت حوالى خمس عشرة سنة.
اما بالنسبة الى البعثيين الذين انقسموا الى بعثيين سوريين وبعثيين عراقيين، فان مصلحة سوريا عند البعض، ومصلحة العراق عند البعض الآخر كانتا تأتيان، ومن دون «كفوف» قبل المصلحة اللبنانية، اما بالنسبة الى علاقة «حزب الله» بايران، فالكل يعرف ان هذه العلاقة هي علاقة عضوية عقائدية دينية، وعند اي تعارض في المصالح الاساسية بين ايران واي دولة اخرى، فلا يمكن لحزب الله والفريق الشيعي الذي يمثله، الا ان يكونا في خندق واحد مع ايران.
***
قد يسأل سائل، اين هو دور الشخصيات والاحزاب المسيحية في هذا التصنيف، واين هم رجال الدين المسيحيون؟
الجواب على هذا السؤال يأخذ تفرعات عدة، بعضها تاريخي وبعضها سياسي، وبعضها ديني، والتاريخ اجمع في جميع مراحله ان المسيحيين في الشرق، وجدوا في لبنان الملاذ والوطن، واصبحت الارض التي يقيمون عليها هي الاغلى في حياتهم، خصوصاً بعد نشوء الاسلام وفتحه جميع الاقطار العربية، واصبح هاجسهم كيف يحافظون على هذا الوطن وعلى وجودهم فيه، وهذا الهاجس بدأ منذ1500 سنة وما يزال حتى اليوم وعلاقتهم مع دول العالم جميعها مسيحية اكانت ام غير مسيحية مرتبطة بهذا الهاجس.
اما في الموضوع السياسي والديني، يمكن الجزم بان المسيحيين قادرون على العيش والتأقلم في اي نظام ودولة وحكم، لان دينهم ليس دينا ودولة، بل هو دين وحسب، واذا توفرت لهم وسائل العيش بحرية وكرامة في ممارسة شعائرهم وطقوسهم، فهم يعيشون في انظمة اسلامية وعلمانية وحتى ملحدة، شرط ان ينعموا فيها بالحريات في مفهومها الواسع، وبسبب عدم وجود اي دولة مسيحية في العالم العربي، او الاسلامي القريب، كانت دائماً عواطف المسيحيين مع الدولة او الدول التي تراعي مشاعرهم ووجودهم، وتحترم ايمانهم المسيحي، على عكس معظم المسلمين اللبنانيين الذين يرون انفسهم اقرب الى هذه الدولة الاسلامية او تلك، كما هو الحال بالنسبة الى مصر او السعودية او سوريا او ايران.
هذا العرض السريع لواقع الامور في لبنان، قابل للتوسع والمناقشة والحوار ولكن ما هو غير قابل للمناقشة او الحوار ان تجد لبنانيين محكومين، او اسرى لمصالحهم الشخصية او الفئوية او الطائفية لا يقدمون مصلحة الغريب على مصلحة ابن بلدهم، وحسب، بل يأخذون مواقف تعرقل او تشلّ عمل ربّ البيت، واهل البيت، المنصرفين الى بناء بيتهم، ودولتهم ووطنهم.