الثبات على المبادئ و الوفاء لوصايا الشهداء
حميد عواد
التخلّف الفكري والإجتماعي والثقافي بمختلف أشكاله، هو حشوة متفجرّة، تجعل المبتلين به ألغاماً سريعة العطب والتفجّر، تُهلك حاملها وتشظّي مجتمعه، وتؤذي احياناً من يسعى إلى تفكيكها.
يزيد تعاظم هذا الخطر، متى توافرت له ذخيرة تلقّم جنوحه وتعزّز إمكاناته.
لكن رغم المخاطر، لا يمكن تجاهل واجب الإسهام في إزالة هذا الخطر، فوجوده يحطّ من كرامة الإنسان ويخنق مواهبه ويعيق تقدم البشرية.
لذا يعي المجتمع الدولي اليوم الحاجة الماسة لإبتداع حلول لفض النزاعات انطلاقا من مبادىء تراعي الوقائع الراهنة والحقوق والعدالة والإنصاف.
فإعتباراً من صيغة المبادرة العربية، وطرح تحويل كيان السلطة الفلسطينية إلى دولة تتعايش بسلام مع إسرائيل، تتضافر جهود المجتمع الدولي، لانجاح مفاوضات السلام علها تؤدي الى حلّ ثابت ودائم.
لكن تكمن عقد هذه القضية الشائكة، في التفاصيل والشروط المتضاربة، وردود فعل المتطرفين والمتطفّلين.
طوال تفاقم هذا الصراع جُعل لبنان فوّهة البركان وإستبيحت أرضه وحولت ساحة للحروب البديلة مع إسرائيل.
وكان لكل حقبة "أبطالها" يتناوبون علينا، ويتنافسون للسيطرة على لبنان، وإلحالقه بـ"حظيرة" المتطاولين الطامعين. وكان النظام السوري بمختلف وجوهه، حاضراً ومتدخلاً على الدوام، وأصبح متحصّناً بنظام الثورة الإيرانية، و"فيلق مقاتلين" داخل لبنان.
تحالف"الممانعة" هذا، يغدق السلاح والأموال و"الإرشاد" ووسائط الدعم على "حرّاس" مصالح سوريا تحت راية مواجهة إسرائيل .
يُسلّط "وهج" جاذبية هذا الشعارعلى البصر والبصيرة، توخّياً لإبهارها، فتعمى عن رؤية قضم مؤسسات الدولة اللبنانية وتكبيلها بحبائل "الدويلة الفاضلة"، بهدف الإطباق على الشرائح السيادية لإحباط صمودها وترحيلها عن أرض الوطن.
لقد إحتدمت أخيراً نبرة خطاب "الثنائي الممانع"، وإحتدّت أصداؤه اللبنانية، لا لمحاكاة الخطاب الإسرائيلي أو ردعه فحسب، بل لـ"تحريم" التعاطي مع امريكا وأوروبا، ولتخوين التيارات السيادية، ومحاولة تجريدها من أي دعم، ومحاصرتها وعزلها.
أكثر من ذلك، مع "إستشعار" قرب إصدار المذكرة الإتهامية من المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان، توتّرت أعصاب جهاز الممانعة، وتقمّص هذا التوتر موجاتٍ صوتيةً نافرةً، إنطلقت من حناجر "الأبواق" المزروعة في كواليس المسارح السياسية، لتلفظ حكم إعدام ديتلف ميليس في الشارع، وتهدّد الأمم المتحدة من عواقب تطرّق، أو إشارة القرار الإتهامي، إلى أركان الدويلة الهجينة.
الألسنة المفخّخة بالبارود السوري-الإيراني، والمكرّسة لشقّ الطريق أمام الهيمنة الكاملة على لبنان، تُحشد وتُلقّن للمرافعة عن موكّليها، كما تستجمع مصادر قوتها و نفوذها ومكرِها، لإضعاف تحالف التيارات السيادية، ومحاولة النيل من مهابة المرجعيات الدينية، من دون التورّع عن زعزعة مكانة ضابط إيقاع عمل السلطات في سياق الدستور، أي رئيس الجمهورية.
ومع التلويح بالمبضع نحو الرئاسة، يرتسم في الأذهان صخب الأصوات التي ألحّت سابقاً على إختصار ولاية الرئاسة الى سنتين، أملاً بإنتقال سريع إلى حليف "أمين" للـ"مؤمنين" بولاية فقه معصوم سيّد القرار على مدى حياة صاحبه.
وتزامنا، تصاعدت الحملة المنظمة على التشكيك بقدرات قوى الأمن الداخلي وجهاز المعلومات، بهدف النيل من رئيس الحكومة، ومن هيبة الدولة، تمهيدا لمشروع الدويلة.
لكن، ما لم يحسبوا له حسابا هو، تضامن أهل ثورة الأرز،اذ هو الدرع الحامي لبناء الوطن، والسند المتين لدعم النظام، والضمان الأكيد للعبور إلى ضفّة الإستقرار.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية