#adsense

الصدر وحده يُغيّب مرتين !

حجم الخط

لافت أن يغيب لبنان عن قمة عربية في زمن المصالحات. واللافت أكثر أن يكون ذلك بحجّة تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه. فالقمة مناسبة لتحويل هذه القضية من قضية طائفة ومذهب وتنظيم سياسي إلى قضية وطن، وطرحها كمسؤولية أمّة في أعلى محفل يجمعها.

قد لا تكون الإشارات السياسية العربية الراهنة تدل إلى نجاح مبهر ستنتهي إليه القمة العربية في سرت. صحيح أن ليبيا أو زعيمها الأبدي (40 سنة من الحكم المتجدد برغم إرادة الجماهير) يريان في استضافتها حدثاً غير مسبوق، وفرصة تاريخية لإعطاء القادة العرب، على جاري عادة القذافي، دروساً في الهمّة القومية، لكن الصحيح أيضاً أن القذافي نفسه، منذ تصالح مع واشنطن من دون ان يتصالح مع نفسه، ولا مع شعبه، لم يألُ جهداً في المزايدة القومية على نظرائه وابتداع المناكفات مع غالبيتهم لشغل الرأي العام الليبي بأزمات عابرة للحدود تلهيه عن نكسات الداخل المكتومة بهدير المسيرات المنظمة والمركبة بهمَّة اللجان الثورية الشهيرة.

ذلك لا يمنع أنها ستكون "قمة عربية"، ولو حلَّ في مقاعد قادتها أو معظمهم من يمثلهم، كما لا يمنع أن شعوب العرب ستتابعها، فكيف إذا كان لوزير خارجية لبنان، الذي سمّته حركة "أمل" في الحكومة، كلمة تشرح قضية تغييب الإمام الصدر، وتفضح دور القذافي؟

في هذا الغياب قصور عن إيفاء مؤسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى حقه على من يزعم حمل قضيته، لا يجاريه سوى القصور عن جعلها قضية حيّة في المحافل بدل أن تبقى تنتظر الذكرى السنوية لتغييبه أو انعقاد قمة عربية في سرت، وقبلها بيروت ودمشق.

يتوافق هذا القصور مع تطاول حاملي القضية على الدولة، بُنية ومؤسسات، وهي التي أراد الإمام المغيّب إعلاء شأنها ودعا أبناءه إلى ذلك باستمرار. فالدعوة إلى مقاطعة القمة العربية الـ36 لم تطرح في مجلس الوزراء، وفيه من فيه من وزراء حركة "أمل" وحليفها "حزب الله"، وحليف حليفها ميشال عون، بل أعلنت في وسائل الاعلام، كأنها موجهة إلى الدولة اللبنانية قبل "الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى" كما سمّاها صاحبها بعد الغارة البريطانية الشهيرة مطلع الثمانينات على بلده، يوم كان يناكف "الامبريالية" و"غواصتها" في الأطلسي، كما كان يسميها.

الأخطر في "الزجل" الذي أنشده نواب حركة "أمل" من طرف واحد أنه أرفق بتهديد لفظي باللجوء إلى الشارع، لمْ تخفه شائعات عن تحوطات من أنصارها لقطع طريق المطار، وربما طرق أخرى، لا سيما في العاصمة، إذا ما تجرأت الدولة على إيفاد من يمثلها في قمة سرت، بما ينطوي عليه ذلك من وضع جميع الآخرين من الشركاء في الوطن في موقع النقيض، برغم أن أحداً منهم لم يقصر في إعلان إيمانه بعدالة القضية ومظلومية صاحبها، حتى ليبدو القفز فوق مؤسسة الدولة محاولة لقاء، ربما غير مقصود، مع إرادة البعض إظهارها أعجز من أن تدير شؤون اللبنانيين إلى حد التفريط بمصالحهم، ربطاً بالحملات على رئيس الجمهورية وقوى الأمن الداخلي وغيرهما.

في كل ذلك، يتجلى الخطأ الأكبر في الحرص على احتكار قضية الإمام موسى الصدر، وهو إحدى العلامات الكبرى في تاريخ لبنان، وجعلها قضية مذهبية، لا قضية وطن ولا حتى طائفة، فيما يصر رافعو الصوت بها على الدعوة إلى إلغاء الطائفية السياسية. هي خطأ وليست جريمة. فالأول تستمر تداعياته، بينما الثانية تحسم نتائجها فوراً، على ما يقول الداهية الفرنسي الشهير تاليران.
هذا الخطأ يغيّب الإمام الكبير مرتين، مرة من جانب المتهم الأوحد بتغييبه، والثانية على يد محبيه هؤلاء.
وعلى يد الاثنين تغيّب أيضاً الدولة اللبنانية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل