#adsense

هنا كانت بلاد الشام

حجم الخط

هنا كانت بلاد الشام
بولس عيسى

 

كل شخص على علم بخفايا وحقائق المرامي السياسيّة للفكر الشمولي الفقهي، يعرف أن الحدود الجغرافيّة لـ"الثورة الإسلاميّة" لا تقف عند حدود الإمبراطوريّة الفارسيّة، وطبعًا لن تقف فقط عند اغتصاب الجزر الثلاث الإماراتيّة والأقضية الخمس العراقيّة، وإنما مشروع تلك الجمهوريّة الإسلاميّة التوسعي يطال جميع أنحاء الوطن العربي.

والملم أيضًا في علم الإستراتيجيّة يعرف أن المحور الحيوي لتلك الولاية-الجمهوريّة، لا يقتصر على الوطن العربي وإنما يمتد كي يطال بلدان ما وراء المحيطات.

فيكاد لا يخفى على أحد، امتداد "حزب الله" وتوسعه خارج الأراضي اللبنانيّة، لينشأ خلايا ومجموعات مدرّبة ومعبّأة تحت إشراف وولاء "الحرس الثوري الإيراني"، في ما أسماه "دول الطوق"، أي الدول المحيطة بـفلسطين المحتلة.

وهنا السؤال الذي يطرح نفسه، هل إن اليمن والبحرين وقطر من ضمن "دول الطوق"؟ وإن كان الهدف من وراء الإمتداد والتوسع إلى داخل "دول الطوق"، هو مواجهة "العدو الإسرائيلي"، فأين المواجهة والممانعة في تلك الدول؟

يعلم الجميع مدى ارتباط "حزب الله" في الإيديوليجيّة الشموليّة للجمهوريّة الإسلاميّة، وما ذكرناه سابقًا عن امتداده خارج الأراضي اللبنانيّة، اضافة إلى إنشاء مكتبٍ للعلاقات الخارجيّة، بالتزامن مع وجود مكتبٍ لـدول الطوق، والفصل بينهما، يظهر جليًا إزدواجيّة المهمة الموكلة إليه من قبل الولي الفقيه، ومجلس قيادة الثورة، اذ ان المقاومة والشموليّة وجهان لعملة واحدة.

وفي نظرة إلى واقع الحال، نرى أن المشروع الشمولي لـ"ولاية الفقيه" ما زال في بداياته، فالطريق إلى المملكة المغربيّة ما زالت بعيدة، ومحفوفة بالأخطار والصعاب. أما من ناحية أخرى، فامتداد الجمهوريّة الإسلاميّة غير المباشر في الأقطار العربيّة، عبر الخلايا الآنف ذكرها، ما زال متقطّع الأوصال الجغرافيّة، حيث التواصل اللوجستي صعب جدًا، والإتصالات غير كافية لردم الهوة الجغرافيّة، فلا الخلايا المنتشرة قادرة على الظهور والعمل العلني، ولا مركز قيادتها الموجود داخل الأراضي الللبنانيّة، قادر على دعمها بالشكل المطلوب، وذلك لعلمه أن المهمة التوسعيّة الموكلة إليه والتي هو في طور تنفيذها، إنما هي مهمة غير مشروعة.

فالصراع الفعلي اذن هو في داخل الإسلام، بين التيارات الوصوليّة والإعتدال. وواهم كل من يحاول وضع الصراع الإقليمي في إطار الإختلاف حول الممانعة، لأن هكذا قضيّة هي محط إلتقاء وإجماع إسلامي بالدرجة الأولى، وعربي بالدرجة الثانية من المحيط إلى الخليج.

أما الإسطفافات التي نراها اليوم فمردّها للصراع الآنف الذكر، والمشروع التوسعي الشمولي التي تقوم به الوصولية الإسلامية بقيادة الجمهوريّة الإسلامية، وبالتنسيق مع بقايا نظام طالبان، وذلك طبعًا عبر"القاعدة" التي تديرها فلول إمارة طالبان و"حزب الله".

هذا الصراع بين الوصولية والإعتدال، هو السبب الوحيد لوجود المعسكريين الإقليميين في الوقت الحالي، حيث تترأس الأول مصر والسعودية، وتتزعم الثاني الجمهورية الإسلاميّة، وليس كما يحاول البعض أن يصور الخلاف، على أنه محاولة المعسكر الثاني مواجهة الخونة المرتهنين في المعسكر الأول، فلا المصريين ولا السعوديين عملاء إسرائيليين-أميركيين، ولا الحرس الثوري والمجاهدين هم أشرف الشرفاء.

من ناحية أخرى، إن الأزمة التي تعصف بالجمهوريّة الإسلاميّة، ليست بعيدة عن هذا الصراع، اذ نرى نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في مواجهة شرسة مع الإصلاحيين. أوليس هذا صراع بين الاصولية والإعتدال؟

لا شك أن هذا الصراع، إن لم ينته بإسقاط نظام الولي الفقيه في إيران، إلا أن صورة ذاك النظام اهتزت، وحتى الأرض بدأت بالتزلزل من تحته. فـ"الولي الفقيه" الذي لا يُعصى ولا يُهان، أصبح اليوم في مرمى الإتهام.

فمن جهّة يرفض المتظاهرين الخروج من الشوارع تبعًا لأوامره، ومن أخرى، هو متهّم من قبلهم بالتآمر والتزوير. وهنا لا شك أيضًا أن هالته الدينيّة-السياسية الكبرى، بدأت تتهاوى.

ورغم ذلك، واهن من يعتقد أنها بداية النهاية. فلا الجمهورية الإسلاميّة في نهايات عصرها كي تكون بداية للنهاية، لأن الطريق ما زال طويلاً لولوج المملكة المغربيّة، ولا "الحرس الثوري" سيضمحل ويتطاير كالغبار في حال سقوطها، والتجربة الأفغانيّة خير دليل. سقطت طالبان وبقي المجاهدون يخترقون الحدود وينفذون العمليات ويتمردون. وحتمًا إن سقطت "ولاية الفقيه" سيبقى "الحرس الثوري" وفلوله في البلدان العربيّة، يخترقون أمنها وينفذون عملياتهم الإرهابيّة.

المهم الا تتحقق تلك "النبوءة" ويقف يومًا عابر سبيل ليقول: "هنا كانت بلاد الشام".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل