من خلال مراقبة حركة حلفاء سوريا في لبنان، ورسائلهم الموجهة الى رئىس الجمهورية العماد ميشال سليمان، او الى رئيس الحكومة سعد الحريري، اما عن طريق التسريب البطيء، او بواسطة البريد السريع الذي يتقنه على ما يبدو الرئيس السابق عمر كرامي والوزير السابق وئام وهاب، اللذان يتمتعان بعطف ورعايةومباركة جميع من هم في تكتل 8 آذار ومن ضمنهم التيار الوطني الحر، يبدو أن دمشق تريد معرفة مسبقة بما سوف يحمله رئيس الحكومة سعد الحريري مع الوفد الوزاري الكبير الى سوريا في زيارته القريبة المقبلة، خصوصاً بعدما كشفت دمشق في وسائل اعلامها، أكان في العاصمة السورية أو في بيروت، ان المهم لديها هو معرفة النهج الذي تنوي الحكومة اللبنانية اتباعه في القضايا الاساسية، مثل السياسة الخارجية وهل سيكون لبنان على الحياد واقرب الى السياسة الأميركية، أم سيكون أقرب الى حلف الممانعة والصمود المتمثل بسوريا وايران، وماذا عن موقفه في السياسة الدفاعية وهل يربطها بسياسة الدول العربية المعتدلة، ام انه سينفتح على المقاومة الاسلامية، دعماً سياسياً وحكومياً وعسكرياً، لأن معرفة الموقف الرسمي اللبناني الحقيقي، على صعيد الرئاسة الاولى والرئاسة الثالثة، يتوقف عليها موقف القيادة السورية تجاه الحكم في لبنان، بحيث اذا كانت سوريا راضية عنه، فان الداخل اللبناني يهدأ.
والامور الصعبة والمعقدة تحل بسحر ساحر، كما أن المطالب اللبنانية المزمنة، مثل توازن التبادل الاقتصادي، وتقاسم المياه بعدل، وترسيم الحدود، وتسهيل العبور، والنظر في قضية المعتقلين وغيرها من الملفات التي سوف يحملونها معهم رئيس الحكومة والوزراء الى سوريا، سوف تكون في الموقع الايجابي من الاهتمام السوري، أما اذا كان الموقف اللبناني رمادياً ومتحفظاً، ولا ينسجم تماماً مع السياسة السورية، فان الامور العالقة بين البلدين ذاهبة الى الجمود ان لم يكن الى التأزّم، على الرغم من كل ما يقال ويشاع عن قيام علاقة سورية ـ لبنانية جيدة، بعد زيارة رئىس الحكومة سعد الحريري الى دمشق ولقاء المصارحة والمصالحة الشخصي بينه وبين الرئيس السوري بشار الاسد.
*******
الكل يعرف ان لا عواطف شخصية في العلاقات بين الدول، حتى ولو كانت دولاً صديقة أو شقيقة بل هناك مصالح مشتركة، تحاول كل دولة أن تحققها، أو تحقق النسبة الأكبر منها الى جانبها، من هنا تبرز صعوبة الموقف اللبناني، وخصوصاً صعوبة موقف رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يمثل تكتلاً شعبياً ونيابياً واسعاً هو تكتل 14 آذار، قبل أن يكون رئىس حكومة كل لبنان، وهذا التكتل يريد أفضل العلاقات واوسعها مع سوريا، ولكنه في الوقت ذاته يريد ابعاد بلده عن سياسة المحاور القائمة، واتباع سياسة الحياد الايجابي، التي يعتقد انها تؤمن له استقراراً داخلياً وسلاماً طويلاً، على غرار موقف لبنان التقليدي منذ الاربعينات من القرن الماضي، وحتى نهاية الستينات، على ان يبقى على سياسته الداعمة للعرب والعروبة باعتباره بلداً عربياً، في المحافل الدولية سياسياً وديبلوماسياً، على اعتبارانه دفع حصته «طابشة» في الصراع ضد اسرائيل، وآن له ان يرتاح، وهذا موقف يتشارك فيه جميع مكوّنات 14 آذار بمن فيهم النائب وليد جنبلاط الداعي ابداً الى التمسك باتفاق الهدنة والقرار 1701 بما يسمح للبنانيين ان يتنفسّوا بعد سنوات طويلة من القتال والحروب والدم والدمار.
***
اما بالنسبة الى الذين تناولوا رئيس الجمهورية العماد سليمان بتهجماتهم واتهاماتهم وبدعوتهم له الى الاستقالة، وعندما هبّ اللبنانيون باكثريتهم الساحقة لتسفيه هذه التهجمّات والاتهامات ذات الاغراض والاهداف المعروفة، تراجع هؤلاء، واحتموا وراء الحق بالانتقاد، وقد جافوا الحقيقة في ما قالوا، لان الرئيس سليمان اعلن في اكثر من مناسبة انه ديموقراطي، وبهذه الصفة يقبل كل انتقاد، ولكن ما هدف اليه هؤلاء هو محاولة يائسة لتلطيخ منصب الرئاسة الاولى بالاكاذيب والشائعات، وهم لا يدرون – وربما يدرون – اي مصير سيكتب لهذا البلد وشعبه، لو قيّض للمتأمرين ان تنجح مؤامراتهم، ولكن لهذا البلد ربّ يحميه، وشعب يصونه، ورئيس يدافع عنه، ولن تقوى عليه مكيدة، او اتهام، او شائعة، او محاولة ترهيب وتخويف.