#adsense

ليبيا وقمة تضييع القدس! “تاريخ من الدماء” (1/3)

حجم الخط

يبدو الأمر هائلاً وأكبر من أن يحتمله المقدار الضئيل الذي نعقل به من طاقات العقل المجهولة، منذ الأيام القليلة الماضية – وللمصادفة – هبّ المسلمون والبعض ممّن بقي من مسيحيي القدس ولم يهاجر لحماية المسجد الأقصى حذراً أم تصديقاً لنبوءة حاخام يهودي، من الصعب فهم ذلك.. والحديث اليومي المتراكم عن تهويد القدس قد نظنّه مشروعاً إسرائيلياً عمره من عمر إعلان دولة إسرائيل، والتاريخ يكشف لنا أن الصورة في الألف الأول كانت أشدّ بشاعة ودموية وترهيباً وانتهاكاً لحرمة المقدّسات أكثر مما نتوقعه أو نتخيّله في أيامنا هذه، الصراخ اليومي لحماية القدس لم يعد مُجدياً، إنه تاريخ يستعيد صوره البشعة ويكرّرها وتتناسخ فيه حوادثه، وقممه العربية أيضاً، منذ تلك القمة العربية الأولى – مجازاً – التي عُقدت عام 1946 تمهيداً "لإسقاط" فلسطين وفتح الطريق وتمهيدها أمام انتصار اليهود وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه!!

مشهد القمة العربية في مدينة سرت الليبيّة وإن كان سيحظى بالكثير من "فنعات" عميد الحكام العرب وملك ملوك إفريقيا و"إمام المسلمين" الأخ العقيد معمّر القذافي، خصوصاً أن مهاراته في الخطابة تسبّبت في انهيار أحد مترجمي الأمم المتحدة، فهي قد تصيب الرؤساء العرب المشاركين بما هو أكثر من ذلك، إلا أن العرب والمسلمين ينظرون إليه بريبة شديدة وحذر لأنه يُكثر من الكلام على مواجهة تهويد القدس، على اعتبار أن "القمم" العربيّة "لو بدها تشتّي" لكانت "غيّمت منذ ضياع فلسطين قبل أكثر من ستين عاماً، أمّا مصدر الريبة والشكّ والحذر فخوفاً من تضييع القدس في قمّة العام 2010، خصوصاً أن الاستسلام والانصراف عن هذه القضية واضح، فقد يحلّ خبر فوز "فرس" أو "حصان" لأمير عربي في سباق لندني أو حفل اختيار "ملك جمال الخيول" المرتبة الأولى في نشرة الأخبار، بينما تحلّ تداعيات المواجهات بين الشرطة الإسرائيليّة والمصلين في الحرم القدسي أو في بلدة القدس القديمة المرتبة الرابعة في نفس النشرة، وهذا وحده تهميش وتمهيد متواطئ وصامت!!

نظرة على التاريخ ستكشف لنا أن الصراع في جوهره ومادته الحقيقيّة، هو حرب بين الأديان، وهذه حقيقة علينا مواجهتها والتفكير فيها مليّاً، حتى لا نضحك على أنفسنا في التمييز بين مستويين "يهودي" و"صهيوني"، هذا ما تقوله بعض آلة الدعاية العربية لتبريد عقول بعض المتسائلين وتنويمها بهذا التمييز، فيما ترفع الحكومات الإسرائيليّة الصوت منذ أعوام طويلة مؤكدة أولاً أن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وثانياً؛ مطالبة بالاعتراف بالدولة "اليهودية"!!

هذا الحديث ليس مستجداً؛ ولكن كما قال "الأنبا شنودة" مرّة: "ماذا نفعل إذا كان العرب أمّة لا تقرأ"!! ولا يعتقدنّ المتورطون في صراع الأديان والمذاهب وحروبها الدنيئة التي تُخاض عبر الشبكة العنكبوتيّة على جبهات المواقع الالكترونية أنّ مقدّسات المسيحيّين بمنأىً عن هذا الصراع الذي يُخاض، فأواخر العام الماضي احتجت وزارة الخارجية الأردنية رسمياً على الأعمال "أحادية الجانب" التي شرعت فيها إسرائيل في الجزء الخارجي من الجدار الغربي لكنيسة القيامة في القدس الشرقية المحتلة، وأعربت عن "قلقها الشديد ورفضها الكامل لهذه الأعمال وطالبت السلطات الإسرائيلية "بالوقف الفوري لتلك الإجراءات وإعادة الأوضاع على ما كانت عليه قبل بدئها. وشددت على عدم المساس بالوضع القائم بين جميع الطوائف المسيحية"، وأكدت عدم "شرعية تلك الإجراءات التي تشكل خرقاً للقانون الدولي، بصفة إسرائيل القوة المحتلة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وعلى ضرورة عدم المساس بالأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة"…

في سنة 868م قام " أحمد بن طولون" حاكم مصر بضم فلسطين وسورية، وعامل أهل الديانتين اليهودية والمسيحيّة بكياسة، وسمح لليهود بإرساء قواعدهم في بيت المقدس، فبدأ اليهودي "دانيال القومي" داعياً اليهود إلى الاستيطان في القدس للتعجيل بظهور المسيح لبناء أورشليم اليهودية، وسمح له ابن طولون ببناء حي مستقل لليهود في القدس ومنذ ذاك الوقت بدأ النواح على الهيكل المتهدم!!

إنه تاريخ أقدم بكثير من تيودور هرتزل وفكرة بناء وطن قومي لليهود وأبعد بكثير من وعد بلفور، وأقدم وأعتق بكثير من تاريخ دعوة مجلس جامعة الدول العربية إلى عقد دورة استثنائية في بلودان بسورية في 8/5/1946 وتأجيله بسبب انعقاد قمة أنشاص بمصر يومي 27 و28 ايار، وأقدم من اتخاذ مجلس الجامعة عدة مقررات سياسية لانقاذ فلسطين بعضها سرّي!!

أما القدس الشريف والمسجد الأقصى ففي تاريخه مذبحة بلغت فيها الدماء الركب، ففي زمن الخليفة الفاطمي المستعلي أبرم حاكمه على القدس افتخار الدولة صفقة قضت بتسليم القدس لأمراء الصليبيين (جودمري وريموند وتنكرد)، وينسحب بموجبها هو مع حراسه الخاصين مقابل مبلغ كبير من المال دفعه الأمير ريموند، وعندما لجأ أهل المدينة من المسلمين إلى المسجد الأقصى المبارك ورفعوا على المسجد علم الأمير الصليبي تنكرد، ظانّين أن هذا سيكون سبباً من أسباب الحماية لهم. أما صباح الجمعة 15 تموز 1099، فشهد اقتحام ساحات المسجد الأقصى المبارك لتقع فيه مجزرة أبادت سبعين ألفاً من المسلمين.. وقبل مذبحة الأقصى بـ90 عاماً هدمت كنيسة القيامة عام 1009 تاريخ قرار هدم أصدره الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي أمر فيه: "أن يصير سقفها أرضاً وطولها عرضاً".. تتغيّر الأسماء ولكن لا يبدو أن الحوادث تتغيّر، هو صراع مرير مروّع منذ الألف الأول فهل تختلف صورته في الألف الثالث؟!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل