في اوراق الزميل شوقي الريّس سند عليه طوابع مكسيكية قديمة موقّع من صاحب دكانة من آل سليم لحساب جده. جاران، التقيا في "بلاد الغربة"، الاول من جزين، الثاني من روم. دفع ابن جزين قيمة السند ومضى يحفر في مناجم الذهب. الرجل الذي جاءنا قبل ايام حاملا لقب اغنى رجل في العالم، هو ابن صاحب الدكان.
سُخِّف مصطلح "ملحمة الاغتراب" لكثرة ما استهلك في فولكلور السياسة والصحافة، لكنها ما يسمونه بالانكليزية EPIC اي الملحمة التي لا تنتهي ولا تُختم. ما زلت لا ادري كيف سافر جدي الى التمبيكو في المكسيك اوائل القرن الماضي.
وكيف وصل. وكيف سافر من هناك الى فلنت، ميتشيغان. وكانت قصته ابسط القصص واقلها اثارة: رجل وفرسه وكشته في غابات المكسيك يرتقي الى عامل تجميع في مصانع "بويك"، ثم يمضي بقية العمر في بتدين اللقش، يستذكر، ويشتاق الى اشقائه الذين لم يعد احد منهم.
عاد الرئيس الراحل الياس الهراوي من البرازيل مدهوشا بما رأى، مأخوذا بما سمع. وطالب يومها باعطاء المتحدرين حق الجنسية. وقد اذهلني واحزنني، ان ابرز المعارضين للاقتراح كان الرئيس سليم الحص، كبير – وأصدق – المدافعين عن حق العودة للفلسطينيين. وبعد خطاب القسم، البالغ الاتزان، العميق الالفة، الذي ألقاه الرئيس ميشال سليمان، قلت له، لي عندك كمواطن امنيتان: الاولى، استعجال مجلس الشيوخ من اجل الدروز واعطاء هؤلاء المؤسسين عنوانا جمهوريا ثابتا، والثانية ان تلاحق ما اشرت اليه من استعادة المغتربين الى ارضهم، ولو لم يعودوا. قلت للرئيس يومها ان دراسات الامم المتحدة تؤكد، كل عام، اننا ثالث بلد في العالم اعتمادا على دخل الاغتراب، تسبقنا مصر.
يرسل هؤلاء السادة الى فروعهم هنا نحو خمسة مليارات دولار، لا تدخل في "فذلكة" الموازنة ولا في المحفوظات الشعرية لفؤاد السنيورة. وهؤلاء الذين ينقذون آلاف البشر من المجاعات المحتمة منذ المجاعة الكبرى في حرب "الاربعتعش" لا نريد ان نمنحهم افادة مواطنة خوفا من ان يخربوا علينا نتائج الانتخابات في دائرة او دائرتين في بلد تدور عليه الدوائر. جميعها.
ذات مرحلة – قصيرة جدا بالنسبة اليّ – كنت جزءا من مسعى، بين آلاف المساعي التي لقيت المصير نفسه، لاحياء العلاقة بين المهجر والموطن. تولى المشروع الاستاذ انور الخليل والراحل العظيم داني توماس، الذي كان يملأ اميركا ابتسامات على حكايات "عمي طنوس" وانطوني ابراهام والمحامي شارل شدياق وآخرون. كانت الفكرة ان ينقل المذهلون في الاغتراب، شيئا من نجاحهم الى موطن الاهل. اي شيء. لم يكن مهماً موقع داني توماس (وابنته مارلو) في هوليوود بل كان مهما موقعه كإنسان أنشأ مستشفى سانت جود، احدى اعظم (وليس أهم) مؤسسات العناية بالاطفال المرضى في العالم.
من هو سانت جود؟ لم اطرح السؤال، لكن داني توماس قال لي ذات يوم ضاحكا: "بتعرف مين يعني سانت جود؟ يعني مار لابا". وبلهجته الزغرتاوية "مور ليبو". لكنني عرفت عمن يتحدث لان القديس لابا، هو شفيع قرية الميدان المجاورة لنا، ايضا وايضا في قضاء جزين.
شارل شدياق، اشهر محامي واشنطن، كان ايضا من مؤسسي سانت جود. وكذلك انطوني ابراهام. وكان الثلاثة اصدقاء. وبعد سنوات، منذ نحو عقد، اصبح لمستشفى سانت جود فرع في بيروت، حفظ الله اطفالكم. هل تحمل مارلو توماس (صديقة جون كينيدي ذات شائعة) هوية لبنانية؟ الارجح لا. لقد تغيبت من دون عذر شرعي.
مرَّت بي محاولة اخرى عندما التقيت الاستاذ حكمت قصير في باريس اثناء الحرب. قال يومها: "نحن نملك جزءا من افريقيا وجزءا من الاميركات الثلاث (الوسطى بينهما) وجزءا من اوستراليا، وابناؤنا ينامون هنا على درج المترو. لا بد ان يُفعل شيء في ذلك. اي شيء". ولم نعثر على احد في حماسة حكمت قصير الذي ينهي الآن السنة الثالثة في العلوم السياسية بالجامعة اليسوعية. طالب عمره تسعون عاماً.
ثمة عنصرية فاقعة في موقفنا من ذوي الحقوق الواضحة. والحقوق، وخصوصا الواضح منها، هي عكس التجنيس بصيغته الفاجرة والمذلة. احد هذه الحقوق الثابتة، حق الام في ان تعطي بلدها لابنها، لا ان تنتمي هي الى الارض وهو الى السماء، ويجب ألا ننسى ابدا ان ارزتنا الاخرى، فيروز، جاءتنا من تركيا، وان نخبنا الكبرى مثل قسطنطين زريق وآل صايغ ويوسف الخال جاؤوا من سوريا، دع العائلات المالية الكبرى التي جاء اكثرها من سوريا وبعضها من فلسطين.
يذكّرنا كارلوس سليم ابن الشلال، او "الشالوف" باللغة الجزينية الفصحى، بمن وبما غرسنا في اصقاع الارض. ليس لانه الاول على لائحة اثرياء العالم، بل لانه الاول في الناجحين. وكما يقول احد الظرفاء "اللبنانية مهنة لا هوية". اديب اوستراليا الاول ديفيد معلوف والاداري الاول فيها جاك نصار وابرز ادباء فرنسا امين معلوف وصناعي اليابان الاول كارلوس غصن وساعاتي سويسرا الاول نقولا (الحاج) حايك.
والى هنا، الى نيويورك، جاء ذات مرة عدد من الفقراء والايتام ليعملوا في التجارةـ، فكان ان صنعوا اجمل فصل من فصول النهضة في العالم العربي. ولا يزال جبران الاكثر مبيعا في هذه البلاد منذ اكثر من 60 عاماً. لقد صنع ثروة لا تقدر لالفرد كنوبف، الرجل الذي قبل بعد تردد ان ينشر كتابه "النبي". عاش 42 عاما وسحر اميركا مذ كان في الرابعة عشرة. سحر شعراءها ورساميها ونساءها (راجع كتاب الكسندر نجار الماتع في هذا الباب، وراجع "قاموسه" الجبراني). وعندما كان الاستاذ ادوار غرة سفيرا لدى الامم المتحدة، قال في ذات يوم: نذهب معا الى "الباويري"، نيويورك التحتا، حيث كانت الناس تتجمع يوم الاحد لسماع جبران يقرأ شيئا من روحانياته السامقة.
هل يحمل احد من اقرباء جبران الهوية اللبنانية، وخصوصا ابن عمه وكاتب سيرته، الذي يحمل الاسم نفسه؟ لا. دائرة النفوس لا تأذن له بذلك. هل يهم احدا ان يعرف ان عدد النواب اللبنانيي الاصل في برلمان البرازيل هو اكثر من ضعفي عدد النواب في البرلمان اللبناني؟ هل يحق لاحدهم العودة؟ لا. فليبقوا حيث هم. لا شك انهم سعداء في بلاد اشتراها فاسكو دا غاما بالخرز الملون، وتحولت في ما بعد الى مهرجان المرفع الشهري، الذي صادف وقوعه ذات مرة مع زيارة رسمية يقوم بها احد رؤسائنا. رسمية جدا مثل ختام المرافع في الريو.