انتحار كلب
مارون ناصيف
قبل كل كلام، اعتذر سلفاً عن أي تشابه في الأسماء أو الأحداث، واذا قدّر ذلك يكون من قبيل الصدفة البريئة والبريئة جداً.
نعم، اني اقصد انتحار كلب ابن كلب، لا علاقة له لا بالتجنيس او بالتوطين او بطاولة الحوار او هيئة الحوار الوطني وقانون البلديات او بعصبية الجنرال في الرابية او اصابع نعيم بن قاسم او فلسفة وئام وهاب اطال الله بعمره او اسطفان الدويهي وهو يحاضر في الوطنية والأخلاق والمصالحات الميسيحية لا من قريب أو بعيد.
تعود معرفتي بهذا الكلب إلى زمن حرب البيروتين الشرقية والغربية عندما التقيته متجولاً بين الضفتين، فكنا نحمّله التحيات من الوزن الثقيل إلى المقلب الآخر لنسمع الجواب عبر الأثير من ذات العيار، إن لم يكن أثقل. وهكذا كانت تمضي تلك الأيام بسوادها القاتم أو بأملها الباسم لا فرق، وقد تألفت مع الكلب هذا لدرجة اصبح التخاطب سبيلنا إلى التفاهم.
علمني لغة الاشارات وعلمته لغة التخاطب. من نظرة يعرف حاجتي ومن ترقيصة ذنبه اعرف حاجته. وعند اي اختلاف في نغمة الهبهبة أو الهمهمة، فأصبح كاتماً لأسراري يشاركني زادي. حزنت عليه كثيراً يوم سقط بقذيفة غادرة لم يتبين مصدرها.
كبرنا وتزوجنا وانجبنا مشاريع اضاحي تقدم على مذبح الوطن بحروب وهمية والهية واذلاء على ابواب السفارات، كل ذلك بعاصفة وطنية اجتاحتنا اين منها "عاصفة الصحراء"، بدل ان ننجب مواطنين مكتملي المواطنية بل ضحايا تذبح وفق طروحات تدمي القلب الأبيض في اليوم الأسود او وعد صادق و"نصر الهي"، وانجازاته المدمرة للوطن، ورحت أنزح مع النازحين واهرب مع الهاربين وابكي مع الباكين وأحزن مع الحزانى واذل مع المذلولين، متنقلاً بكل فخر وصمود من تعتير الى آخر، منتظراً عوناً من صديق أو غوثاً من شقيق. وفي عز المعمعة، لفت نظري كلب يهمهم همهمات غريبة عجيبة في احدى قرانا الجنوبية التي ما زالت صامدة في مكانها ولم ينتقل حجر واحد أو شتلة دخان واحدة اقتلعت كما الردم والركام وقد لقنت هذا العدو الجبان كيفية الصمود والتصدي.
اقتربت منه مستفهماً عارضاً خدماتي كما عرضت علينا خدمات الأشقاء والأصدقاء وباقي التيارات. اذ به يتجاوب معي ويفهمني "على الطاير". استغربت الأمر واردت التأكد من اصله وفصله ولا هوية معه أو اقامة أو جواز سفر كحالنا تماماً. فعادت بي الذاكرة الى العام خمسة وسبعين وزيادة في التأكد اجريت لهذا الكلب فحوص "الحمض النووي" كما يطالب الجنرال . وصعقتني المفاجأة، هذا الكلب حفيد ذلك الكلب. وبعد عتاب طويل واحتضان وتقبيل وزيادة في التكريم له عرضت عليه مكاني وهويتي ليستطيع التنقل بحرية خصوصاً في ظل المربعات الأمنية العصية على اجهزة الدولة ما عدا فلكلورها، فهبهب بصوت مرتفع وانا فهمت قصده على الطاير يا صاحبي أنا صحيح كلب، ولكن لي كرامتي. انا افضل منك ألف مرة ومرة. أنا أنبح وأهبهب وأعوي ساعة أشاء ومن دون جميلة اي محطة برتقالية اللون او صفراء التوجه، اما أنت فلا. أنا أتنقل بحرية ولا من يعترض، أما أنت فلا. أنا أصول وأجول على المسؤولين، أما أنت فلا. أنا لي مرجعية واحدة في السلم وفي الحرب لا تستطيع اتخاذ اي قرار من دون العودة إلي، أما أنت فلا. أنا استطيع ان اضمن مكاناً آمناً لي ولجيراني، أما انت فلا. أنا بامكاني السفر ساعة اشاء والهجرة حينما ارغب مكرماً معززاً خصوصا بعد اتهام حملي الجوازات الأجنبية بالعمالة لمن هم عملاء ، اما أنت فلا. أنا يا صديقي امارس حريتي وسيادتي دون منّة من أحد. انا يا صديقي ملتزم ميثاق شرف اباً عن جد وهو "ان الكلب ما بيعض خيو"، اما أنت فلا. انكم تنهشون اجساد بعضكم ولو في زمن الصوم وتطعنون ظهور بعضكم ولو في عشوراء بالاذن من الجنرال وتستبيحون محرمات بعضكم. نحن يا صديقي لا نستأذن احداً للدفاع عن حدود مزارع أوكل الينا حق الدفاع عنها أما أنتم فحولتم بلادكم الى مزارع متناحرة نحن يا صديقي نعرف حدود عملنا، أما انتم فلا تعرفون حدود المعقول.
وهنا دبّت الغيرة في نفسي وطلبت منه تبادل الأدوار والأمكنة، فالتفت الي مهمهماً مرقصاً ذيله هاشاً باشاً، وقال: انا معروف كلب ابن كلب، اما انت فلا. افضّل الانتحار على هذا الخيار. ألف مرة كلب على أن اعيش مرة واحدة في وطن يعامل انسانه اقل من كلب مع الف تربيح جميلة. وهنا احمرت عينيه عندما رأى اصراري، وخوفاً من فضح اسراري، نظر اليّ بنظرات يتطاير منها الشرر وقفز من فوق ما تبقى من جسر الزهراني مفضلاً الانتحار ككلب سيّد حر على ان يعيش بقية حياته كلباً، ولكن بالواسطة كحالي تماما وحال الكثيرين من امثالي.