خلال تأبين القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية وقف الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله ليقول أرادوها حرباً أمنية مفتوحة ، فلتكن حرباً أمنية مفتوحة ، واقسم بأغلظ الايمان بأنه سينتقم للحاج رضوان (الاسم الحركي لمغنية).
صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية نقلت اجواء من اجتماع امني في اسرائيل عكف على تحليل خطاب السيد نصر الله خلال تشييع مغنية: رئيس الموساد مئير دغان ركز على دليل صارخ لديه بأن نصرالله سينتقم. وعندما سئل ما هو هذا الدليل؟ قال: لنلاحظ انه أقسم بكسر الهاء. وفي الفقه الاسلامي فإن هذا يمين يلزم المؤمن بأن يفي بعهده مهما طال الزمن.
وظل السؤال كيف ومتى سينتقم نصر الله من دون إجابة شافية عليه في أجهزة الأمن الاسرائيلية ولكن بانتظار ذلك علينا الحذر. هكذا كان تقدير الشاباك.
وصار نوع من الروتين ان تستنفر اسرائيل اجهزتها الامنية مع حلول شهر شباط من كل عام الذي يصادف اغتيال مغنية، والاستنفار يطال الداخل في اسرائيل وفي كل مكان في العالم يوجد لاسرائيل مؤسسات او مصالح حيوية.
حزب الله استهوته هذه اللعبة، وبنظر الموساد فإن جنرالات مجلس الجهاد في الحزب يستطيع ان يقول ان قسم نصر الله بالرد على قتل مغنية ادخل اسرائيل في حرب استنزاف امنية . وهذا هو الثمن الأول الذي كان على الكيان العبري ان يدفعه رداً على فعلته باغتيال القائد العسكري للمقاومة
ومؤخراً في الذكرى الأخيرة لاغتيال مغنية أعلن الامين العام لـحزب الله ان خلاياه عثرت في الفترة الماضية، على اكثر من هدف لتهاجمه كرد على مقتل مغنية، ولكنها لم تفعل، لأن الهدف الذي يريده الحزب يجب ان يكون له قيمة مغنية نفسها.
ولكن في اسرائيل يوجد تقدير مغاير. فعلى موقع معهد واشنطن على الانترنت كتب باحثان أميركيان دامند شنكر وماتيو لفيت نقلا عن مصادر امنية اسرائيلية رواية اخرى بخصوص المساعي التي بذلها حزب الله خلال الاعوام الماضية للانتقام لمغنية. تقول الرواية انه حتى الآن احبطت اسرائيل محاولات عديدة حاول خلالها الحزب الثأر لمغنية، وكلها استهدفت ضرب مراكز اسرائيلية ويهودية خارج اسرائيل. وحسب اقوالهما فإنه في العام 2008 وحده جرت ست محاولات لضرب يهود اسرائيليين في تركيا. وأدعيا: انه في هذه المحاولات، شارك رجال استخبارات ايرانيون، اتخذوا صورة سياح . وفي تلك السنة، جرت محاولة سابعة لتفجير سفارة اسرائيل في اذربيجان . وتم كشفها، وحكم على شخصين من حزب الله، شاركا في هذه المحاولة، بالسجن 15 سنة . كما قدم للمحاكمة ايضاً في المناسبة نفسها مواطنون اذربيجانيون.
وقد جرى الكشف عن هذه المحاولات المزعومة من قبل المصادر الامنية الاسرائيلية بعد عامين من حصولها، اي في الشهر الحالي من هذا العام. وتسريبها لموقع الانترنت الخاص بمعهد واشنطن، كان له هدف رئيس وهو تكذيب الكلام الذي اعلنه نصر الله في آخر خطاب له بذكرى اغتيال مغنية والذي قال فيه ان الحزب ترك اهدافاً كان يمكنه ضربها انتقاماً لمغنية لأنها لم تكن تساوي معنوياً ومادياً قيمة الشخص المنوي الثأر له.
تهديد مثلث الزوايا
ويبدو ان المستوى الامني في اسرائيل، يدرس بدقة كلام السيد نصر الله المتعلق بالثأر لمغنية، وذلك انطلاقاً من ثلاث زوايا: أولاً، معطيات الحرب النفسية التي يتضمنها. ثانياً، معطيات الهدف الذي يفكر به حزب الله للثأر لمغنية. ثالثاً، التمحيص بسؤال، هل الحزب يريد الثأر فعلاً لحظة توافر الهدف السمين أم أن لديه اسباباً استراتيجية سياسية وأمنية تجعله يؤخر الرد لحين انتفاء هذه الاسباب.
على المستوى الاول ( معطى الحرب النفسية) يعتقد المستوى الأمني في اسرائيل ان الحزب يدير ملف الثأر لمغنية بأسلوب مركب للحرب النفسية فيه مكان هام، فهو من ناحية يستمر بإبقاء هذه المناسبة حية للتركيز على موقع شهادة القادة من الحزب في سلوكياته الجهادية. وهذا أمر يستفيد منه الحزب في مجال التعبئة الداخلية حيث يعطي لقيادته في عيونها الصورة الجهادية المثلى والمقدامة والتي لا تقول للعناصر هاجموا بل اتبعوني في الهجوم، ومن ناحية ثانية فالحزب من خلال ترداد مقولة عزمه على الثأر وخاصة بلسان أمينه العام، انما يحاول مراكمة القلق لدى الجمهور الاسرائيلي ليس فقط في اسرائيل بل الأهم في الخارج. فاليهود في اوروبا واميركا يشعرون مع تعاظم العزف على وتيرة قلقهم الامني انهم مدعوون لدفع فاتورة قرار اتخذه قادة اسرائيل الذين لا يشاركون في انتخاب حكومتها وليس لهم رأي في سياستها. اضف الى هاتين الغايتين اللتين يريد الحزب تحقيقهما، حقيقة انه يريد ايضاً شل قدرة الاجهزة الامنية الاسرائيلية عن المبادرة عبر جعل تفكيرها مركزاً على التخطيط لصد الهجوم الامني المقبل لحزب الله.
على المستوى الثاني بخصوص الهدف الدسم الذي يفكر فيه نصر الله للانتقام لمغنية يسود اكثر من احتمال بحسب ما نشرته الصحافة الاسرائيلية نقلاً عن مصادر امنية في اسرائيل. الهدف الاول هو احد كبار القادة العسكريين للجبهة الشمالية . وهنا يتم في اسرائيل، استذكار الحقائق التالية: اولها ان حزب الله يملك قدرة لوجستية امنية على رصد تحركات هؤلاء القادة عن طريق التنصت على اتصالاتهم الارضية.
وفي هذا المجال يوضح مدير مركز النـزاعات والمسؤول السابق في الاستخبارات البريطانية اليستر كروك ان لدى الحزب قدرة على اختراق كل من اجهزة الاتصالات الارضية بين القادة العسكريين وايضاً الاشارات اللاسلكية بين مواقعهم على الجبهة الشمالية. وان هذا الامر كان له تأثير ايجابي لمصلحة الحزب في المعارك البرية التي جرت عام 2006.
ويبدو ان حزب الله طور هذه القدرة بعد تموز 2006 لدرجة جعلت القيادة العسكرية الاسرائيلية في الشمال تحذر على القادة العسكريين استعمال الهاتف الخلوي وتدعوهم للاقتصاد في اعلام بعضهم البعض عن تحركاتهم حتى عبر الاشارات اللاسليكة.
وهناك افتراض في اسرائيل بأن الحزب يمكنه ان يجمع معلومات عن حركة احد قياديي الجبهة الشمالية في غضون فترة محددة ليصبح هذا القائد هدفاً قابلاً للاصطياد
ثانيها، قد يكون الهدف هو رأس الهرم في القيادة العسكرية الاسرائيلية كرئيس الاركان غابي اشكنازي مثلاً او وزير الدفاع ايهود باراك.
ولكن الاسم الاول هو الاكثر احتمالاً. والسبب في ذلك من وجهة نظر اسرائيلية هو ان امن حزب الله يملك ارشيفاً خاصاً بسلوكياته، جمع معطياته التفصيلية منذ كان اشكنازي مسؤولاً عن القوات الاسرائيلية في جنوب لبنان. وكان الحزب حاول اغتياله ليكون الهدف النوعي الثاني الذي يصطاده في اطار الحرب الامنية التي كانت ناشبة بينه وبين اسرائيل قبل خروج الاخيرة من الشريط الحدودي الجنوبي، وذلك بعد نجاحه في اغتيال قائد القوات الاسرائيلية في جنوب لبنان ايرز غيرشتاين في شباط عام 1999.
ولكن مئير دغان لديه وجهة نظر خاصة في مجمل هذا النقاش، فهو يعتقد بحسب تسريبات عن اجتماع للحلقة الامنية الوزارية الضيقة، انه يجب وضع الحرب الامنية بين الحزب واسرائيل ضمن معادلة حرب نفسية متوازية، فهم يهددونا بالمس بهدف دسم لحظة توافره انتقاماً لمغنية ونحن علينا تهدديهم بالمس بنصر الله لحظة ظهوره على شاشات رادار الموساد ويريد دوغان عبر هذه النظرية نقل المعركة الامنية الى معادلة رعب، وجعل كل طرف يفرض على الآخر معادلة شل قدرته الامنية، ودفعه للتموضع داخل خندق الدفاع عن الرموز القيادية الاساسية.
ولكن نظرية دغان تلقت في الاسبوع الاخير من الشهر الماضي صفعة قاسية. ففي غمرة انشغاله بلملمة فضيحة أدائه السيئ في قضية اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح، علت اصوات اخرى ناقدة له، تقول اين كانت نظرية معادلة الرعب حينما نجح نصر الله في ان يغادر من تحت انفك حصنه في بيروت وينتقل بسيارة مموهة الى دمشق لحضور القمة مع الرئيسين السوري والايراني.
ويبدو ان دغان اراد قطع الطريق على تعاظم هذا السجال داخل اسرائيل من خلال تسريب ما زعم وقائع كانت تعرفها الموساد حول موعد وكيفية انتقال نصر الله من بيروت الى دمشق لحضور القمة والايحاء بأن عدم التحرك لتصفيته كان له اسباب سياسية.
وكانت الصحافية الاسرائيلية سميدار بيري المقربة من الاجهزة الامنية في اسرائيل، روت قصة الزيارة كما دارت في كواليس الحلقة الامنية الضيقة المحيطة بنصرالله، وهي روتها على الشكل التالي: في ساعات ما بعد ظهر آخر يوم خميس من الشهر الماضي ( شباط) تبلغ الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بموعد اجتماع في دمشق في القمة الثلاثية مع الرئيسين السوري بشار الاسد والايراني احمدي نجاد.
لكن الحلقة الضيقة المسؤولة عن امن نصر الله ، خشيت ان يتسرب تاريخ الموعد لاسرائيل، فقامت بتقديم موعد سفره الى دمشق بيومين. وصعد نصر الله بعد ان اخفى ملامحه الى سيارة لا تثير الشكوك
وطوال رحلته الى قصر الرئاسة السوري كان المسؤولون عن أمنه في الحزب يضعون يدهم على قلوبهم، الخوف تركز من امكانية استهداف موكب السيد الخفي بوابل من القذائف من البحر او الجو.
وبعد وصوله بسلام الى قصر الرئاسة في دمشق، خرج في اثره ثلاثة من كبار مساعديه، محمد يزبك، ابراهيم امين السيد، وحسين خليل. وجميعهم كانوا متنكرين. وضع الجانب السوري تحت تصرف نصر الله مجموعة من غرف القصر، تماماً كما فعل مع احمدي نجاد، في حين اهتم امن حزب الله ببث الاشاعات حول لقاءات واجتماعات مقررة لحسن نصر الله في بيروت، في حين كان الاخير في دمشق. كما بث امن الحزب اشاعة اخرى تفيد بأن نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم هو من سيلتقي الرئيسين السوري والايراني في سوريا. ولكن الموساد لم تنطل عليه هذه الاشاعات كلها، فهو يعرف ان نصر الله هو من سيقابل نجاد. وجاء تكثيف الطلعات الجوية الاسرائيلية في سماء لبنان كدليل على ان اسرائيل تبحث عن التقاط صورة لسيارة نصر الله التي يعرف انها انطلقت من بيروت، ومن ثم مهاجمتها جواً.
حتى هذا الحد يتضح ان رواية بيري المنقولة عن الموساد تريد الايحاء بالآتي ولايصال الرسائل للحزب ضمن تبادل اللكمات النفسية في حربهما الامنية المفتوحة:
اولاً – الموساد كان يعلم بترتيبات زيارة نصر الله لدمشق.
ثانياً – الطلعات الجوية المكثفة التي تزامنت مع خروج نصر الله الى سوريا ارادت ايصال رسالة لأمن حزب الله تقول : نحن نعرف كل شيء.
ثالثاً – ترك دغان الاجابة مفتوحة عن سؤال: طالما كنت تعرف كيف تنقل السيد نصر الله في طريقه لدمشق، فلماذا لم تنفذ تهديد تصفيته؟؟
ثم تمضي بيري الى جزء آخر من قصتها الذي يهدف لإيصال رسالة اخرى من قبل الموساد، فتقول: حين وصول نصر الله وحاشيته الى دمشق كانت سيارة تابعة للاستخبارات السورية في انتظارهم وقادتهم مباشرة للقصر الجمهوري ولم يشعر نصر الله ومرافقوه بالراحة الا عند دخولهم القصر معتقدين ان اسرائيل لن تجرؤ على قصف القصر الرئاسي على من فيه وهنا تبدو الرسالة واضحة للحزب ولدمشق: اسرائيل ليس لديها خط احمر في موضوع اغتيال نصر الله عندما تريد، فهي ستنفذ ذلك حتى ولو كان في غرفة نوم الرئيس الاسد.
وتصل رواية الموساد الى ذروتها عبر الصحافية بيري عندما تصف انها كانت تملك معلومات ليس فقط عن طريقة ذهاب نصر الله الى دمشق بل عن طريقة وزمان عودته منها. فتقول بيري: الموساد لم تشتر بضاعة امن حزب الله التي عرضتها بخصوص ان نصر الله لديه مواعيد في بيروت وذلك في الوقت الذي كان موجوداً فيه في دمشق في قصر الاسد. كما انها لم تصدق انه بقي هناك بانتظار مغادرة نجاد. وبحسب رواية الموساد فإن نصر الله استغل المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيسان السوري والايراني ليشق طريق عودته الى بيروت حتى لا يثير الشكوك.
وبخلاصة كل هذا العرض البوليسي للموساد عن ظروف ذهاب نصر الله الى دمشق وعودته منها وتكتيكات التضليل التي اتبعها امن الحزب لحماية موكبه وذهابه وايابه، يبدو واضحاً ان دغان اراد الايحاء بأن سيطرة جهازه على حركة نصر الله كاملة وانه هو سيد اللعبة في الحرب الامنية مع حزب الله، وأراد بالاساس جعل مشهد نصر الله وهو ينتقل من بيروت الى دمشق يصبح شبيهاً بمشهد ياسر عرفات عندما كان يقف وسط منظار القناص الاسرائيلي لحظة خروجه من بيروت ولكن شارون لم يعط الامر بالضغط على الزناد. باختصار اراد تحويل ما اعتبرته الصحافة الاسرائيلية انتصاراً في الحرب الامنية لحزب الله عبر نجاحه في جعل حياة نصر الله عادية وتأمين انتقاله لمكان اجتماع علني من دون اية اعتراضات امنية اسرائيلية الى نوع من الهزيمة عبر الادعاء بأن الموساد اكتشفته والقرار السياسي الاسرائيلي نجاه.