إلى متى تظلّ أميركا راغبة وغير قادرة وإسرائيل قادرة لكنها غير راغبة ؟
تنفيذ القرارات الدولية يحقّق الأمن والسلام للجميع
منذ نكبة فلسطين، اي منذ ما يقارب الستين عاما والمجتمع الدولي وتحديدا اميركا راغبة في تحقيق السلام لكنها غير قادرة او انها قادرة لكنها غير راغبة، والمجتمع الدولي راغب في تحقيق هذا السلام لكنه غير قادر. وحدها اسرائيل غير راغبة وقادرة…
يقول وزير خارجية سابق ان اسرائيل كانت تعتمد في الماضي على تفوقها العسكري فترفض مقايضة الاراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها بالسلام، لا بل كانت تزيد مساحة هذه الاراضي بعد كل حرب تنتصر فيها.
وعندما لم تعد اسرائيل قادرة على حسم ما تريد بالحرب ولا ان تضمن امنها بقوة سلاحها بعد ظهور سلاح المقاومة في فلسطين ولبنان بحيث بات يشكل توازن رعب مع الدولة العبرية، اخذت هذه الدولة تطالب بالامن قبل السلام، والامن في نظرها يعني نزع سلاح المقاومة قبل المباشرة بمفاوضات السلام لئلا تستمر من دون نتيجة.
لذلك كانت الحرب اللبنانية – الفلسطينية على امل ان تنتهي بهزيمة التنظيمات الفلسطينية، لكنها انتهت بـ"التعادل" بعد استمرارها سنوات من دون ان ينتصر فيها طرف على آخر، الى ان كان دخول القوات السورية الى لبنان فأوقفت الاقتتال واخرجت المسلحين الفلسطينيين من ارضه الى تونس.
لكن الدولة العبرية ظلت تشكو من وجود مقاومة تقوم بها تنظيمات متشددة في فلسطين المحتلة، ومقاومة اسلامية في لبنان يقودها "حزب الله"، فقررت توجيه ضربة عسكرية الى المقاومة في لبنان للقضاء عليها وذلك في تموز 2006 لكنها انتهت بالفشل. ثم كانت حرب غزة ضد حركة "حماس" وانتهت هي ايضا بالفشل.
وهكذا وجدت اسرائيل نفسها في توازن رعب مع المقاومة في لبنان وفي فلسطين، وان اي حرب بينهما لن تكون نزهة بحيث تستطيع اسرائيل الحسم كما في الماضي، بل ستكون حربا مدمرة للجميع ولا منتصر فيها.
وبقي السؤال لدى الدولة العبرية: كيف السبيل الى تحقيق امنها قبل السلام، فارتأت مقايضة الارض بالامن بحيث تنسحب من بقية الاراضي اللبنانية فتسقط عندئذ ذريعة احتفاظ المقاومة الاسلامية في لبنان بسلاحها. ولكن تبين لاسرائيل ان الدولة اللبنانية عاجزة عن حمل المقاومة على التخلي عن سلاحها حتى بعد انسحابها من بقية الاراضي وان المقاومة لن تتخلى عن سلاحها الا بعد ان يتحقق السلام الشامل في المنطقة…
عندها انتقل البحث مع سوريا من خلال مفاوضات غير مباشرة بوساطة تركية، وقد بلغت هذه المفاوضات حد التفاهم على حدود الانسحاب من هضبة الجولان، لكن ما افسد هذا التفاهم هو مطالبة اسرائيل سوريا في مقابل هذا الانسحاب باغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية المتشددة على ارضها ومنع الاسلحة عن "حزب الله" وغيره من المجموعات والاحزاب. لكن سوريا لم تلتزم ذلك، فتوقفت المفاوضات بسبب حرب غزة.
ورفضت اسرائيل معاودة مفاوضاتها مع السلطة الفلسطينية، ليس بسبب الخلاف على بناء المستوطنات فحسب، بل لوجود سلطة فلسطينية اخرى هي سلطة "حماس" التي ترفض عقد سلام مع اسرائيل الا بعد الموافقة على قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وتقوم على كامل الاراضي الفلسطينية التي تحتلها اسرائيل، عاصمتها القدس الشرقية. لذا تبين لاسرائيل ان لا قيمة لاتفاق سلام تعقده مع السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس ما دامت السلطة الاخرى بزعامة حركة "حماس" ترفضه ولا تعترف به…
عندها ذهبت اسرائيل، ضمانا لامنها وقبل عقد اي اتفاق سلام، الى حد ربط عقد اي اتفاق بالملف النووي الايراني، بدعوى ان حصول ايران على السلاح النووي لا يهدد امن اسرائيل القومي فحسب بل وجودها. ولا سبيل الى تحقيق سلام شامل في المنطقة الا بمنع ايران من الحصول على هذا السلاح كونه يخل بالتوازن الذي لا يزال حتى الآن في صالح اسرائيل. وقد ردت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون تبديدا لمخاوف اسرائيل هذه باعلان التزام بلادها امن اسرائيل التزاما ثابتا ودائما في كلمتها امام منظمة "ايباك" اليهودية في اميركا. لكن رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو عاد واكد التزام حكومته الاستمرار في بناء المستوطنات في القدس لانها مثل تل ابيب وليست مستوطنة بل عاصمة الدولة العبرية.
ومعلوم ان اسرائيل التي تشكك بالجميع حتى بحلفائها ترفض جعل حماية امنها تحت رحمة غيرها لانه امن مستعار وهي لا تعتمد الا على امنها الذاتي وقوتها الذاتية.
لذلك يرى الوزير سابقا ان لا حل لازمة الشرق الاوسط الا بتحقيق سلام شامل وعادل يقوم على تنفيذ القرارات الدولية وعلى قرارات مؤتمر مدريد، وان تحقيق هذا السلام هو الذي يضمن امن جميع دول المنطقة ويجعلها تعيش داخل حدود آمنة ومستقرة، ولا يعود عندئذ مبرر لوجود سلاح مقاوم ولا لاعمال عنف وارهاب، ولا حتى لوجود اسلحة متطورة، بل يتم تحويل اثمانها المرتفعة لتنفيذ مشاريع انمائية ترفع مستوى معيشة الشعوب وتشكل وسيلة فاعلة لمكافحة الارهاب الذي مصدره الاساسي الفقر والقهر.
هل يستطيع المجتمع الدولي ولاسيما عواصم القرار، تحقيق هذا السلام، وهل باتت اسرائيل مقتنعة بان لا امن تنعم به ما لم تنفذ القرارات الدولية وقرارات مؤتمر مدريد، وانه لم يعد في استطاعتها تحقيق الامن ولا السلام بالحرب، ولا حتى حماية نفسها بالسلاح؟
السنة الجارية هي سنة التأمل لاتخاذ القرار الحاسم.