خريف عام 1989 توصل النواب اللبنانيون، الى ما سمي اتفاق الطائف الذي نزع من رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية وناطها بمجلس الوزراء مجتمعاً، والذي ارسى المناصفة في مجلس النواب والوزراء ووظائف الفئة الاولى. يومها ما كان في امكان النواب المسيحيين السير في اتفاق كهذا لولا تغطية سياسية – ميليشيوية مسيحية امنتها "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب ولولا تغطية دينية مسيحية وفَّرها بطريرك انطاكية وسائر المشرق للموارنة مار نصرالله بطرس صفير. ذلك ان "الجنرال" ميشال عون قائد الجيش ورئيس الحكومة الانتقالية العسكرية، او نصف الحكومة، كان معارضاً شرساً وعنيداً لهذا الاتفاق لأنه يكرس احتلالاً سورياً للبنان، ولأنه لا يوفر له الموقع الرسمي الاول في البلاد. وبسبب التغطية المذكورة نال صفير المديح الكثير من اللبنانيين مسيحيين ومسلمين، باستثناء مسيحيي عون، ومن معظم الطبقة السياسية اللبنانية واقطاب السلطة فضلاً عن سوريا "المنفذ" الوحيد للاتفاق المشار اليه والمجتمَعين العربي والدولي المؤيدَين له.
وبين عامي 1990 و2000 خف المديح المذكور لسيد بكركي لأنه اظهر وعند اكثر من استحقاق شكوكه في الدور اللبناني لسوريا، وفي اهدافها فيه، وفي خضوع جهات سياسية كثيرة رسمية وغير رسمية لأوامرها وتوجيهاتها، وفي وجود نية لإحداث تغيير واقعي ما وليس رسمياً في تركيبة السلطة اللبنانية. وعبّر عن ذلك في مناسبات كثيرة متنوعة. وطبعاً واجهته السلطة بمعظم اركانها وحلفاء سوريا وفي مقدمهم المسيحيون بالانتقاد. الا ان العلاقة بين بكركي وبينهم استمرت لأنهم لم يقطعوا الامل في امكان حصول اتفاق ما يرضي البطريرك في اعقاب زيارة له لدمشق يلتقي خلالها الرئيس (الراحل) حافظ الاسد. لكن املهم خاب لأنه رفض ذلك وبإصرار لاقتناعه بانها ستكون لتغطية سوريا وحلفائها اللبنانيين، ولن يستفيد منها لبنان. الا ان احداً من معارضيه او منتقديه لم يفكر في الذهاب بعيداً ضد بكركي وسيدها لأنهم كانوا واقعين تحت وهم الاعتقاد ان الوضع القائم في لبنان سيستمر "الى الابد". لكن موقف البطريرك صفير والاساقفة والمطارنة الموارنة في ايلول 2000 الداعي الى انسحاب القوات السورية من لبنان بعد تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي قبل ذلك بأشهر والمحمّل سوريا وحلفائها اللبنانيين مسؤولية التردي الكبير في الاوضاع اللبنانية المتنوعة ورعايته قيام مجموعة قرنة شهوان السياسية المسيحية المعارضة لسوريا عبر فرز احد ابرز مطارنة الطائفة لرعايتها، لكن هذين الامرين وتّرا العلاقة بين بكركي وحلفاء سوريا الرسميين وغير الرسميين وفي مقدمهم المسيحيون.
وشهدت الساحة اللبنانية سجالات متنوعة، لكن احداً ايضاً لم يشعر بالهلع من تطور الاوضاع لأن "الاطمئنان" كان لا يزال مسيطراً على حكم الوصاية وعلى الأوصياء. تبدلت هذه الحال في اواخر 2004 عندما بالغت سوريا في استفزاز اللبنانيين وخصوصاً المعارضين وتحديداً المسيحيين منهم بقرارها التمديد للرئيس اميل لحود ثلاث سنوات، وبعدما دخل لبنان دوامة الاغتيالات والانقسامات السياسية والطائفية والمذهبية التي استمرت حادة حتى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية قبل اقل من عامين. وبدأت حرب ضروس ضد صفير كان رأس الحربة فيها مسيحيو 8 آذار الذين انضم اليهم بعد انتخابات الـ2005 العماد ميشال عون وتياره الشعبي الواسع، وشارك فيها طبعاً في شكل او في آخر قياديون واحزاب من طوائف ومذاهب اخرى.
وخلال السنوات الصعبة هذه (2004 – 2008) صار صفير الهدف وصار اقصاؤه غاية وخصوصاً بعدما اثبت بالقول والفعل ان بكركي مرجعية مسيحية مارونية وطنية غطاؤها ضروري لكل المسيحيين ولكل سياسة لبنانية ولكل سياسة سورية او عربية في لبنان. وطبعاً جعل ذلك اخصامه او اعداءه يقررون الخلاص منه عبر القنوات الدينية الرسمية ويقررون في الوقت نفسه ضرورة اضعاف هذه المرجعية المسيحية الصامدة. فتلقّى الكرسي الرسولي في الفاتيكان شكاوى كثيرة في حق صفير من مرجعيات وشخصيات سياسية مسيحية عدة. كما ان رجالاً من الكنيسة لم يكونوا بعيدين عن جو الإعداد للتخلص منه. وركّز اصحاب الشكاوى على الحاق سياسته الاذى بالمسيحيين في لبنان والشرق الاوسط، او على نقصان اهليته للبقاء في موقعه البطريركي بسبب المرض والعمر. لكن الفاتيكان لم يتجاوب اثناء بابوية الراحل يوحنا بولس الثاني الذي كان يكنّ لصفير محبة واحتراماً كبيرين، ولم يتجاوب ايضاً بعدما جلس على كرسي البابوية البابا بينيديكتوس السادس عشر. علماً ان الشاكين راهنوا عليه للخلاص من صفير اولاً لكونه جديداً وثانياً لعدم وجود علاقة له مع صفير. ولم يكن رهانهم خاطئاً مئة في المئة، لكن اجتماعاً بين البابا وكاردينال الموارنة اسفر عن حصول الثاني على "درع تثبيت" جديد فعاد الى لبنان مُحْبِطاً آمال معارضيه.
لماذا هذا الكلام الآن؟
لأن هناك شيئاً يجري بعيداً من الاعلام من شأنه حل هذه المشكلة ولكن على حساب صفير. وهذا ما تشير اليه معلومات دقيقة عززتها اخبار اعتزام البطريرك صفير زيارة الفاتيكان في 21 نيسان المقبل. ذلك ان مناسبة الزيارة كما حددتها المصادر التي زودت وسائل الاعلام هذه الاخبار ليست دقيقة، فضلاً عن ان دوائر بكركي التي تعدّ زيارات سيدها وتجدولها فوجئت على الأرجح بالزيارة المرتقبة. فهل لها علاقة بالصراع المزمن بين سيد بكركي ومعارضيه ام ان طابعها كنسي محض؟ المعلومات المشار اليها تفيد ان الفاتيكان صار في وارد قبول تأليف لجنة تُعاوِن صفير في مهمته او تعيين معاون واحد له بموافقته طبعاً. وتفيد ايضاً ان الدافع الى ذلك قد يكون صحياً او قد يكون استدراكاً لما قد تحمله الشيخوخة من مفاجآت. لكن التأكد منها سيبقى غير متيسّر الى ان يحصل ما توقعته المعلومات او الى ان يظهر عدم جديته. وسواء صحّت المعلومات او لم تصحّ فان الانصاف يقتضي الاعتراف بأن البطريرك صفير، رغم اننا اختلفنا معه مرات عدة وانتقدناه، قد يكون آخر البطاركة الموارنة العظام لإنطاكية وسائر المشرق، الا اذا نجح من سيخلفه بعد عمر طويل في المحافظة على بكركي مرجعية صلبة وصامدة وفي منع تحوّلها اداة طيّعة في يد الحكام والدول. طبعاً نُفَضّل كعلمانيين ان يكون الدين مهمة رجاله وليس السياسة وخصوصاً بمعناها الاحترافي اللبناني او العالمثالثي. لكن الطائفية والمذهبية صارا ويا للأسف جزءاً عضوياً من لبنان. وصار الناس يُعامَلون ويُحاسَبون ويُنصَفون او يُظلَمون وفقاً للطوائف والمذاهب التي ينتمون اليها.