وصلت مسألة الانتخابات البلدية الى مرحلة حاسمة مع اقتراب انتهاء المهل لجهة دعوة وزير الداخلية الهيئات الناخبة بحدود الثاني من نيسان المقبل، فيما تتباطأ وتيرة الانجاز على مستوى اللجان النيابية الثلاث المولجة درس مشروع الاصلاحات المقدم من الحكومة، وسط تفاهم وتفهّم بين معظم القوى السياسية على ان الاصلاحات ولا سيما منها اعتماد النسبية، سيكون من الصعب بمكان تطبيقها في حال الاصرار على الثاني من ايار المقبل موعداً "مقدساً" لاجراء الانتخابات. وهنا تبرز المسألة التي يتعين على القوى السياسية ان تضعها على الطاولة وفق السؤال الآتي: الاصلاحات ام المواعيد؟ فإذا كان موضوع الاصلاحات كرة نار حامية رمتها الحكومة في ملعب مجلس النواب، فإن المسار الاصلاحي برمته يبدو مؤجلاً في ضوء فشل اقرار خفض سن الاقتراع، وفي ضوء تعثر التوافق الفعلي والحقيقي على اقرار النسبية كنظام تصويت اليوم، ومع ارتفاع الاصوات فوق الطاولة وتحتها على حد سواء لابقاء النظام القديم اي القانون النافذ حالياً والمرتكز على النظام الاكثري.
معظم القوى يتوجس من موضوع اعتماد النسبية. والواقع يشير الى صعوبة اقرار الاصلاحات وتطبيقها بفاعلية في المواعيد المقررة اصلاً اي في الثاني من ايار. وثمة من يذهب مطالباً بتأجيل تقني للانتخابات يراوح بين ثلاثة اشهر وسنة. وفي الوقت عينه يبدو رئيس الجمهورية الطرف الوحيد المصمم على احترام المواعيد. فهل ينجح في فرض رأيه بعدما لمس سهولة اطلاق حملة ضده، على رغم التأييد الذي حصده في نهاية الشوط الاول؟
متى يقلع قطار الاصلاح في البلد؟ غالب الظن انه اقلع فعلاً. فما لن يعتمد في الانتخابات البلدية سيتم اعتماده في الانتخابات النيابية المقبلة، ولا سيما نظام التصويت النسبي، وخفض سن الاقتراع الى 18 سنة، ومشاركة اللبنانيين المقيمين في الخارج في الانتخابات. وسيكون من الصعب ان تتنصل القيادات السياسية من هذه الاصلاحات الاساسية التي تمثل الحد الادنى المقبول، وذلك في ظل تعذر التخلّص من النظام الطائفي الذي يبقى حتى الآن ومع كل شوائبه، النظام المانع لسقوط لبنان كاملاً في قبضة ديكتاتورية دينية عسكرية.
ان الاصلاحات الاساسية التي اشرنا اليها آنفاً تحتاج ايضاً الى اعادة تقويم حقيقي لمشروع تطبيق اللامركزية الادارية الموسّعة، وخصوصاً ان الاحتدام الطائفي والمذهبي سيتعاظم مع استحالة نزع السلاح خارج الشرعية. وعليه ينبغي النظر بجدية في تعجيل وتيرة تطبيق اللامركزية الادارية بشكلها الاوسع، لكي تتمكن المجموعات اللبنانية من استعادة الشعور بامتلاكها بعضاً من مفاتيح مصائرها.
ان لبنان الشديد المركزية آيل الى الانفجار مرة جديدة، وكل الاصلاحات الحالية ستبقى قاصرة ما لم تراعَ هواجس المجموعات والمناطق، والبدء بأكبر قدر من اللامركزية الادارية الموسّعة…
بين احترام المواعيد واقرار الاصلاحات في قانون الانتخاب، ماذا تختار؟ هذا هو السؤال المُحيّر. ثمة من سيختار اللامركزية الادارية الموسعة، ربما اذذاك يصبح للاصلاحات معنى.