في ذاك الآذار من العام 1994 كنت على أبواب العشرين من عمري.
عمر يتعاظم فيه ايماننا بأننا قادرون على التغيير، وبأن قوّة الارادة كافية لانتصار قضية حق.
كنا ممتلئين شجاعة القائد وعنفوانه، ايمان صاحب القضية وعزيمته، ولم نكن قد خبرنا كفاية منطق الاحتلال، ولم يكن للمساومات مكان في حساباتنا.
لم نكن نعرف ان الصدق والعفوية والشجاعة، نقيض السياسة حين تسود شريعة الغاب.
لم يخطر في بالنا ان هناك عقولا فيها من الشر ما يكفي لفبركة سيناريوهات لا خطوط حمر فيها ولا ما يردع حتى عن تفجير كنيسة وقتل أطفال ونساء وشيوخ لضرورة اكتمال المشهد.
فكانت جريمة سيدة النجاة ثم حل حزب "القوات اللبنانية" فاعتقال الحكيم.
اااااخ… كم كانت تلك الضربات المتلاحقة موجعة.
الظلم قاهر قاهر والظالم فاجر فاجر.
اما نحن، فكنا كمن يسقط من قمة اندفاع الشباب الى قعر مشاعر الخيبة.
نعم، رأينا احلامنا تهوي، تُبددها الايادي السود السود بلون قلوبهم الحاقدة.
نعترف اننا اختبرنا شعور الضعف والشك، وحتى الكفر بجدوى مسيرة نضال استشهد على دربها رفاق واحباء.
نكّسنا أفكارنا… لحين…
لكنَّ حِدادنا لم يَطل…
وما لبث ان تحوّل ذاك الشك ينبوع ايمان بأن موعدنا مع العدالة اتٍ ولو بعد حين.
وهنا بدأت فينا ومعنا حكاية أخرى،
حكاية احتراف الصبر….
تضاعفت فينا القدرة على التحمل، صمدنا في وجه الظلم كله، تحدينا تيئيسهم وبقينا على قيد الأمل.
وكسنابل القمح، انحنينا امام عواصف حقدهم من دون ان ننكسر،
ومن ثقوب سجنهم كان نفَسنا يَنفذ حراً، ينتقل من بيت الى بيت من حي الى حي من كلية الى كلية من جيل الى جيل، لتستمر المسيرة…
ولان القوّة لا تستمد الا من الحق، كنا في عز زمن القهر نخيفهم.
والله كنا نحن العزّل، نخيف اولئك الجبناء المدججين سلطة وسلاحا وظلما واستبدادا.
وها هو الزمن يدور دورته ويقذف بهم تباعا الى تحت، الى المصير الذي يستحقون.
أما نحن، فهنا لا نتزحزح ولا ننحلّ، وقد أثبتنا لهم في عز جبروتهم انهم مهما "فظّعوا" في اجرامهم ومهما لفّقوا ومهما اعتقلوا، فلن يقبضوا على أفكارنا ولن يصادروا ضمائرنا ولن يغيروا حرفا من قناعاتنا بلبنانٍ حر سيد مستقل.
نحن هنا، وباقون هنا، نؤرق شرهم، ولن نستكين لن نستكين حتى تحرير الدولة من حُكمٍ وتحكمٍ عن بُعد ومن كل من يصنّف نفسه فوق العادة وفوق العدالة.
باقون هنا لا ننحل ولن نحل قبل ان ينحلَّ صدأ عقلهم المريض….فيشفى الوطن.