فيما عكس كلامه عن أميركا حرصه على الأبواب المفتوحة
الشق اللبناني في حديث الأسد مراوحة ولا تغيير
وجه الرئيس بشار الاسد من على منبر محطة تلفزيونية تابعة لـ"حزب الله" رسائل ايجابية جدا الى الولايات المتحدة الاميركية تناقض الى حد كبير طابع السخرية الذي تم التعبير عنه في المؤتمر الصحافي الذي جمعه والرئيس الايراني احمدي نجاد خلال القمة السورية الايرانية في 25 من الشهر الماضي والذي كان للاميركيين موقف متشدد منه على نحو غير مباشر عبر عنه السفير الاميركي المعين لدى دمشق روبرت فورد في شهادته امام الكونغرس في 16 من الشهر الحالي.
فكلام الاسد لم يقتصر على التمييز بين ولاية الرئيس باراك اوباما وسلفه جورج دبليو بوش بل شمل النقاط المتعلقة بالسلام واستنفاد فرصه والمفاوضات في المنطقة واستبعاد الحرب من خلال تأكيده "انه لا بد ان نعطي اولا الهامش لعملية السلام" و"لا نذهب باتجاه الحرب الا عندما نفقد الامل من خلال السلام… اننا امام عدو لا يفهم سوى لغة القوة ولكن مع ذلك حسابات الحرب تختلف بشكل كبير وهناك طرق كثيرة تصل اليها لاهدافك ليس ضرورة عبر الحرب". فهذا الكلام يكتسب قيمته من على منبر الجانب المعادي للولايات المتحدة من حيث المبدأ والذي لا يرى فرصة لحل في المنطقة الا من خلال المقاومة. وهو امر يقوله الرئيس السوري في مكان اخر في معرض حديثه عن العلاقات بين دمشق والقاهرة فيقول "كان واضحا من حرب 2006 ومن حرب غزة وموقفنا معلن بالنسبة الى دعم المقاومة. نحن نعتقد ان المقاومة هي الحل…".
فيبدو واضحا بالنسبة الى المراقبين ان الرئيس السوري لا يرغب في ان يترك ايا من الاوراق او ان يثير غضب احد في ما يتعلق بالمحاور الاساسية التي تهم بلاده ولو بدت مواقفه تتضمن تناقضات في المضمون كما انه لا يستطيع في ضوء قمة دمشق مع نجاد اخيرا القول انه مع ايران فقط على طول الخط من اجل عدم اقفال ابواب الحوار بينه وبين الولايات المتحدة الاميركية، وهو ما بدا من حرصه على ابقاء الابواب مفتوحة من خلال كلامه الايجابي عن الولايات المتحدة وعدم القدرة عن الاستغناء عنها لمفاوضات السلام. اذ انه لن يترك علاقاته تتوتر مع واشنطن مجددا في حين ان الرئيس الاميركي عاد اخيرا ليظهر قدرته على المواجهة ورغبته في ذلك من خلال ما حصل مع رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في المحادثات التي اجراها في واشنطن اخيرا. وذلك بغض النظر عما اذا كان يمكن قراءة رسائل اخرى من هذا الحديث من حيث الشكل والمضمون على هذا الصعيد.
ماذا في ما يخص سلم الثوابت والمتغيرات في العلاقة مع لبنان؟
في الشق اللبناني كان متوقعا لا بل مرغوبا بشدة على نطاق واسع، على رغم الوقائع والمؤشرات السائدة على الارض منذ بعض الوقت لجهة المواقف التي يطلقها حلفاء سوريا او الاعلام المحسوب عليها او القريب منها، ان تكون اطلالة الاسد مفصلية من حيث التعبير عن الصفحة الجديدة في العلاقات اللبنانية السورية الجديدة على قاعدة الاتعاظ من اخطاء الماضي من الجانبين والاستفادة منها. وليس خافيا ان كثرا طمحوا بعد المعانقة والاستقبال للرئيس الحريري في دمشق قبل شهرين الى موقف جريء للاسد مشابه للموقف الشهير الذي اطلقه على اثر وصوله الى السلطة في سوريا وكان محط امال بعلاقات نوعية بين البلدين مختلفة مبنية على تجربة رئيس شاب يوازن بين معطيات الشرق ومكتسبات الغرب معا وتجربة صقلتها الاعوام الماضية.
لكن الحديث لم يعبر عن ذلك وبدا الموقف السوري يراوح مكانه من دون اي تغيير. اذ كان لافتا ان الرئيس السوري وان قال ان بلاده لن ترغب في الدخول في التفاصيل اللبنانية اليومية كان تعبيره قويا في التعبير عن علاقته بكل التفاصيل اللبنانية من رأيه في رئاسة الجمهورية وموقع الرئيس ميشال سليمان الى رئيس الحكومة سعد الحريري واستمرار السياسيين في كتلته بعيدين نسبيا عن مجاراته في الانفتاح على سوريا، وقد حرص الرئيس السوري على اعلان ذلك انتظارا لحصول ذلك في المدى المنظور، وهو ما يتوقع ان يحصل باعتباره بدأ قبل حين ولان الحريري يرغب في صفحة جديدة فعلا مع سوريا. ثم ان الرئيس السوري تحدث في تفاصيل لبنانية كثيرة من المقاومة الى قوى 14 اذار والى موضوع النائب وليد جنبلاط على نحو لم يرح اللبنانيين، وان لم يكن تحدث في كل التفاصيل لكن بدا واضحا ان سوريا لم تغادر سياستها القديمة خصوصا ان الرئيس السوري اوحى انه لا يعترف بما حصل خلال الاعوام الخمسة الماضية ولا بكل الضغوط التي واجهتها سوريا او سياسة العزل والعودة عنها وما الى ذلك.
ففي مكان اخر من الحديث الاعلامي للرئيس السوري وفي معرض الكلام على العلاقات السورية المصرية يقول "نحن في سوريا لا نعتبر ان الخلافات هي مشكلة، التعاطي مع الخلاف هو المشكلة عندما تعتبر انك اذا لم تكن مثلي فانت ضدي. هذه مشكلة كبيرة. من الطبيعي ان يكون لدينا خلافات لكن كيف ندير هذه الخلافات…" يقول. وحديث الرئيس السوري يكشف ان المشكلة تبقى كذلك بقوة في اسلوب تقويمه للافرقاء اللبنانيين وطريقة التعاطي السوري مع لبنان على هذه القاعدة بالذات اي في حال لم يكن لبنان مثل سوريا.