#adsense

مون جنرال..

حجم الخط

غريبة القصة يا إخوان، تتغير الدنيا ولا يتغير شكل الكلام عنده ولا الطريقة المتبعة الآتية من أفعال الأمر والنهي.
يمكن للعماد ميشال عون أن يعتمد السياسة التي يراها مناسبة، والأداء الذي يراه ملائماً لتنفيذ تلك السياسة وتسويقها، ويمكن له بصفته نائباً عن الأمة اللبنانية جمعاء، أن يدلي برأيه ودلوه في أي شأن عام يخص أبناء هذه الأمة. ولا منّة لأحد في ذلك ولا تمنين، إذ أن الأمر قبل هذا وذاك منصوص عنه في أحكام الدستور، ومتفق عليه كعرف في أحكام الواقع القائم للجمهورية منذ ما قبل قيامها وسيبقى كذلك حتى قيام الساعة.

ولا جدال هنا على الإطلاق، في طبيعة السياسة التي يعتمدها ويراها وصولاً الى هدف ما وضعه في رأسه. فالطموح مكرمة وفعل نبل عند البشر إجمالاً، فكيف الحال عند صاحب مشروع سياسي مثله يفترض أنه يملك جواباً على كل سؤال، وحلاً لكل معضلة، ودواء لكل داء.. ولا يهم هنا رأي الآخرين والاغيار في هذه الأنشودة طالما أن صاحبها يعرف ماذا يفعل تماماً بتاتاً، علماً أنني أزعم، أن الحاسدين يقولون أن الكلفة كانت باهظة شعبياً ونيابياً وستكون كذلك في الانتخابات البلدية؟

لا مشكلة هنا، ولا شكوى ولا نقاش، إنما لُبّ هذه العجالة وفحواها ومبناها، والمستور منها والمكشوف، يتعلق بالشكل وليس بالمضمون، وبمعنى أوضح وأفصح، لم أفهم مثلي مثل كثيرين غيري لماذا يصر النائب ميشال عون على إفهامنا في كل طلّة من طلاّته، انه وحده أستاذ، فيما سائر خلق الله هم من التلاميذ الكسالى الذين يحتاجون على الدوام الى تعلية الصوت في وجوههم، وتنبيههم الى كسلهم وشططهم وتراخيهم، وأنه وحده الكامش على الحقيقة فيما الآخرون جهّال قُصّر لا يرعوون ولا يرون، ودونه مستوى في الفهم والدراية.

ولا أعرف تماماً بتاتاً يا إخوان، لماذا يصرّ على التصرّف وكأننا في واحدة من جمهوريات الموز والتمر هندي والقشطة، فيما هو يعرف ونعرف أنه يعرف، أننا نعيش في جمهورية تشبه الطاحونة لكثرة ما طحنت وعجنت على مدى ثلاثة عقود، جيوشاً وأحزاباً وتنظيمات ومشاريع فرادة وخلاص وإصلاح، وصار الناس يلتقطون المقصود على الطاير والقاعد، ويغنّجون اللغة لمداراة خواطر الآخرين ومنع المصيبة من الوقوع، وبالتالي لا يحتاجون في كل طلّة، الى بهدلة… فقط لأنهم على دماثة في الخلق وطبائع الخجل مسكوبة فيهم مع حليب أمهاتهم.

يعني يا إخوان، مرة خرج علينا الجنرال ليقول أنه لا يريد "أن يسمع أحداً" بعد اليوم يحكي في موضوع سلاح المقاومة، ومرة ثانية قال أنه لو "نزلت السماء على الأرض" لن تجري انتخابات بلدية بيروت على أساس القانون النافذ، وغير ذلك من طلاّت فاقعات تضيّع على الجنرال فرصة النفاذ بأفكاره لإقناع الآخرين بها بسبب الطريقة المتبعة.. في مرات كثيرة تراه محقاً في هذه النقطة أو تلك، لكنه لا يحكي بالمفرّق بل بالجملة فيضيع الحق ويخبو تحت رنين الصوت العالي واللغة الفظة الآمرة والناهية والحاسمة والقاطعة في زمن التسويات.

.. هو حرٌ في أن يفعل ما يشاء ويحكي كيفما يشاء، وأنا حرٌ أيضاً في تغيير محطة التلفزة في كل مرة أسمعه يحكي بنبرة انفعالية تعليمية بائسة.. وأنا أكثر من ذلك، حرٌ في أن أخاف على بلدي في حال استطاع الوصول الى أي سلطة تمكّنه من التحكم بمصائر آخرين من أمثال شخصي الآمن والبسيط والمتواضع.

السيد الجنرال: الخراب كان دائماً مرادفاً للضجيج والصوت العالي، والعكس صحيح. والأفكار النبيلة والعظيمة في هذا الشرق، قالها أصحابها بوتيرة هادئة تلامس حوافي الهمس، وأحياناً تنفيه وتستبدله بالقلم والكتابة، ولهذا سرحت على مدى الزمان وبقيت فيه خالدة ما بقي، فيما غيرها طوته الريح وبخّرته أشعة شمس لا تذوي.
جرّب مون جنرال.. ماذا ستخسر بعد؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل