في الأمس ضجت وسائل الإعلام العربية وتصدر نشراتها الإخبارية و"مانشيتات" صحفها خبر "عظيم"، فقد أقر وزراء الخارجية العرب مبلغاً وقدره " 500 مليون دولار أميركي" للقدس، هذا المبلغ الزهيد "التافه" دفع ضعفيه نجل الأخ العقيد "إمام المسلمين" وعميد الحكام العرب، وملك ملوك أفريقيا، سيف "الإسلام" القذافي دعماً لمنتخب فريق كرة قدم إنكليزي، وبلا "زغرة" بالعرب وثرواتهم فهم يصرفون أضعافاً مضاعفة لهذا المبلغ ليستضيفوا "دورة ألعاب أولمبية" أو دورة رياضية عالمية، "ليش شو ناقصهن أهل القدس"؟ وهذا المبلغ بالكاد يكون كافياً لحماية أساس المسجد الأقصى من الانهيار!!
وما أشبه اليوم بالأمس البعيد، ألم نقل أنها "قمة تضييع القدس"، بل قمة "تسليمها للتهويد واليهود"، فللذاكرة والتاريخ لا فرق بين ما أوصى به وزراء الخارجية العرب في حزيران عام 1946، وبين ما أوصوا به آذار عام 2010 بفارق 62 عاماً، عام 1946 اللجنة الداخلية وبعد سلسلة من الاجتماعات، رفعت إلى مجلس الجامعة التوصيات التالية:
1- تشكيل هيئة فلسطينية عليا تعرف باسم الهيئة العربية العليا لفلسطين تعترف بها الجامعة وتعتمدها ممثلة للشعب العربي الفلسطيني وناطقة باسمه وتكون هذه الهيئة حكومة للشعب الفلسطيني من ناحية، ومن ناحية ثانية تكون بالنسبة إلى الفلسطينيين مثل الوكالة اليهودية لليهود!!
2- تولي هذه الهيئة أعمال الدعاية ومقاطعة الأعداء اقتصادياً وتجارياً تنشيط الشعب الفلسطيني، أي تنظيمه وإعداده وتسليحه.
3- تخصيص الدول العربية مبلغ مليون جنيه فلسطيني سنوياً للهيئة لتستطيع القيام بواجباتها.
4 – تشكيل لجنة فلسطينية مركزية تابعة للهيئة للعمل على إنقاذ أراضي فلسطين والحيلولة دون تسربها إلى اليهود.
5- تخصيص مبلغ مليون جنيه فلسطيني أخرى سنوياً للجنة إنقاذ الأراضي…
وانتبهوا جيداً للتوصيتين الثالثة والخامسة، وقد وافق مجلس الجامعة على توصيات اللجنة الداخلية وفوض إليها العمل على تنفيذها، واتخذ مجلس الجامعة عدة مقررات بعضها سري وبعضها علني، أما المقررات السرية فقد عرف منها تهديد الدول العربية للمصالح البريطانية والولايات المتحدة إن استمرتا في دعم إسرائيل، و تزويد الفلسطينيين بالخبراء والعسكريين العرب لأغراض التدريب وتحصين القرى والمناطق العربية، وإدخال الجيوش العربية النظامية إلى فلسطين في "الوقت المناسب" – وانتبهوا أيضاً للوقت المناسب إذ يبدو أنه شعار قديم قدم قضية فلسطين – ولكن؛ ونتيجة لضغوط الدول الكبرى، جاءت مقررات الدورة النهائية على غير ما توقعه العرب، ففي ما يتعلق بالقرارات التي وافق عليها مجلس الجامعة جرت تعديلات وتغييرات أساسية، والآن علينا تذكر التوصيتين الثالثة والخامسة، فقد ألغى المجلس في قراراته الختامية توصية اللجنة الداخلية بتخصيص الدول العربية مبلغ مليون جنيه فلسطيني سنوياً، واستعاض عنها بتوصية أخرى تنص على أن تقدم الدول العربية المساعدات المالية للهيئة العربية العليا لفلسطين حسب ما تقرره في ميزانيتها، كذلك ألغى المجلس في قراراته النهائية توصية اللجنة الداخلية بتخصيص مليون جنيه سنوياً لإنقاذ الأراضي.
أول أمس، قرر العرب تخصيص مبلغ "مهيب" للقدس الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين، نصف مليار دولار، فقط رفعاً للحرج، وحتى يستطيعوا التحديق في عيون الكاميرات وهم يفتتحون القمة العربية في ليبيا!! بعد قمة العام 1946 لم يعقد العرب قمة أخرى إلا بعد عقد من الزمن، لم يعقد العرب قمة عندما أعلن قيام دولة إسرائيل في 15 أيار 1948، عقد من الزمن التزم العرب الصمت المخزي… سألت والدي مرة : ماذا فعل الناس والشعوب عام 1948 بعد نكبة فلسطين، لا بد وأنك تذكر كنت في الخامسة عشرة من عمرك، فكر كأنه يتذكر، ما عملنا شي، عندما جاء الفلسطينيون إلى لبنان هاربين من الحرب كان الناس يخرجون ليتفرجوا على مشهد قوافل اللاجئين كلما وصلت قافلة؟!
وهكذا فعل الناس ثانية عند سقوط سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس عام 1967، ويبدو أننا سنفعل هكذا أيضاً، سنتفرج عندما تضيع القدس!! ألم يمر على رأس هذه الأمة في ألفها الأول ارتكاب القرامطة وفي يوم التروية عام 317 هجرية مجزرة كبرى في الحرم المكي نفذها أبو طاهر القرمطي على مكة وبيت الله الحرام، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلاً ذريعاً وفي فجاج مكة ودفن كثير منهم في داخل الحرم، وردمت بجثث الباقين بئر زمزم، واقتلع الحجر الأسود من الكعبة المشرفة ونقل إلى مدينة هجر في البحرين لمدة عشرين عاماً، عندما أمر الخليفة الفاطمي بذلك، ووقف بباب ينشد: "أنا بالله وبالله أنا – يخلق الخلق وأفنيهم أنا"!! ثم غادروا بعد المجزرة وهم ينشدون:
هذه الأمة، "راسها بيحمل"، فهي "لم تطنش" عندما عطّلت الصلاة ومنع رفع الأذان وتم استخدام المسجد الأقصى لمدة 88 عاماً زريبة للخنازير وإسطبلاً للخيل ومستودعاً للذخائر، وتلاهى أمراؤها وكبراؤها وخلفاؤها بخلافاتهم وآثروا مصالحهم وحاربوا بعضهم بعضاً، ولم "تطنش" عندما ذبح في رحابه 80 ألفاً خاضت الخيل في دمائهم التي بلغت الركب، لذا ليس عجباً أن يكون ما قررته الجامعة العربية فقط هو تخصيص نصف مليار للقدس، أليس هؤلاء أولاد وأحفاد من سبقهم في الألف الأول، هو سلسال طويل من المتخاذلين والمحاربين لبعضهم بعضاً، أما ما سوى ذلك، فليس أكثر من ذر الرماد في العيون، حفظاً لماء الوجه ليس إلاّ!!