#adsense

وائل خير: حري بكل لبنان ان يخجل من المحاكمة التي جرت بحق سمير جعجع

حجم الخط

اعتبر المدير التنفيذي لمنظمة عفو الدولية في لبنان والدكتور وائل خير انه حري بكل لبناني ان يخجل من معاملة اشهر سجينين في تاريخنا الحديث وربما الغابر: سمير جعجع وجريس الخوري لطبقيته وعنصريته. كلام خير جاء خلال كلمة له في ذكرى حل حزب القوات اللبنانية في البيال.

وفي ما يلي كلمة خير كاملة:

في ثبت القضاء في لبنان صفحات مشرقة وددنا منها المزيد لكنه يزخر بما نتمنى لو لم يكن.
على رأس السجل الاول نقف على رد المحكمة اللبنانية شكوى دو كايلا على مجلة المعرض عام 1926 والزامها الحاكم العسكري الفرنسي بالنفقات. يجد مراجع تاريخ القضاء في لبنان خروجا عن مناط العدالة في احوال ثلاث: محاكمة انطون سعادة المختصرة والتي انتهت باعدامه عام 1949 ومحاكمة القوميين السوريين عام 1963 وحل حزب القوات اللبنانية ومحاكمة سمير جعجع. لكن سواد الصفحتين الاولتين لا تخلوان من ضياء افتقدناه في الحالة الثالثة ذلك ان القاضيين شارل تيان وجورج سيوفي، عضوا لجنة العفو، طردا الدراج الذي مر بمنزلهما ليلا لتوقيع الحكم ونقله لرئيس الجمهورية. ويحتسب في الحالة الثانية لقاضي التحقيق عبد الباسط غندور استعفائه عن مواصلة التحقيق للمخالفات الفادحة فيه.
القضية الثالثة كانت الاشد اسرافا في الظلم ذلك انها كانت حض افتراء دون ان يصاحبها موقف شجاع من الهيئة القضائية لا بل تواطأت تلك الهيئة كل التواطؤ مع الاجهزة بشكل سافر ودون حمرة خجل. هي تكرار لتدبير النازيين حرق الرايغشتاغ في 27 شباط 1933 واتهام الشيوعيين به واعتماده ذريعة لحل الحزب الشيوعي.
ما هي المبادئ العامة للعدالة؟ ما هي الحقوق القضائية التي نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان؟ ما هي الانتهاكات لهذه الحقوق الاصيلة والثابتة في حل حزب القوات اللبنانية وتوقيف المتهمين والتحقيق معهم والمحكمة والمحاكمة والحكم وتنفيذ الحكم؟
نظرت جميع الاديان في مسالة العدالة لكنني ساتجاوزها لما فيها من سجال وجدا واستقي تعريفها من الفلسفة اليونانية والتشريع الروماني. ففي الكتاب الاول من "الجمهورية" لافلاطون محاورة بين سقراط وثراسيماخوس حول العدالة. يرفض سقراط ويفند تعريف ثراسيماخوس للعدالة بانها "ليست اكثر من مصلحة الاقوى" ويردها الى مثال "العدالة الثابت والذيي لا يتبدل بتبدل الظروف والاشخاص". استعانت العبقرية الرومانية بالفلسفة اليونانية واضافت اليها مبدأ القانون الطبيعي الذي للعقل البشري ان يفقهه وتسنه سلطة صالحة اطلق الرومان عليها نعت "ماجستاس" اي سيدة.
تتبوأ الحقوق القضائية مكان الصدارة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان ذلك ان 7 مواد اي ربع الحقوق تتناول منع التعذيب وعدالة المحاكمة وحقوق المدعى عليه. وقد انتهكت محاكمة اعضاء القوات اللبنانية بصورة فادحة المواد 5 (حول التعذيب) و7 و8 و9 و10 و11 – فقرة 1.
في 27 شباط 199 انفجرت عبوة في كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل اودت بحياة 11 شخصا وجرحت 64 من المصلين. سرت اثر الحادث شائعات تقطع بان القوات اللبنانية وراء التفجير.
في 23 آذار وخارج صدور ادانة قطعية بمسؤولية القوات لا بل قبل استكمال التحقيق او التوسع فيه صدر قرار بحل حزب القوات اللبنانية. واعتبرت السلطة الفعل الجرمي مسقطا لقانون العفو وفتح التحقيق بكل ما يمكن ان ينسب الى القوات اللبنانية من ارتكابات في فترة قيادة الدكتور سمير جعجع لها. والاشد غرابة ان بعد صدور حكم بعدم ثبات مسؤولية القوات عن الانفجار لم تعد السلطة عن قرار الحل وهو مؤسس عليه ولا اعادت تطبيق قانون العفو الذي ينص على اسقاطه في حال ارتكاب جرائم لاحقة عليه.
تلك هي الفترة التي تم بها توقيف رئيس الهيئة التنفيذية الدكتور سمير جعجع والمئات من اعضاء حزب القوات اللبنانية واخضعوا دون استثناء الى الوان من التعذيب فاق كل تختزنه الذاكرة اللبنانية. حسبنا ان نذكر موت فوز الراسي اثناء التحقيق والتعذيب الجسيم المثبت بتقرير الطبيب الشرعي بحق انطوانيت شاهين وايضا جرجس الخوري التي تبنت قضيتهما منظمة العفو الدولية. اما من تبقى من مئات الموقوفين فقد عانوا التعذيب والاذلال طوال اشهر قبل الافراج عنهم.
ابقى الدكتور جعجع معاناته في صدره ولم يش بشيء مما مر به. غير ان ما توفر لدينا ولدى مؤسسات حقوق انسان اخرى عنت بتلك القضية وجدنا في معاملة السلطات له انتهاكا جليا لاحكام المادة 5 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان اذ اتسمت معاملته باللاانسانية والوحشية والقاسية.
ثم كانت المحاكمة. طغى على محاكمة الدكتور جعجع عدد من الانتهاكات تلكم بعضها:
1- احيلت القضية على المجلس العدلي للنظر والحكم بها. والجلس العدلي محكمة خاصة وهي لون من الوان التنظيم القضائي تزخر به الانظمة السلطوية ولا محل له في الديمقراطيات حيث القضاء العادي يفضل في شتى النزاعات.
2- القرار الاتهامي بلغ حضيضا فاق كل حضيض. ابتدا بتجريم المتهم لرأي سدتوري له ساق بعدها تشى انواع التهم.
3- عمدت النيابة العامة الى الضغط المعنوي على شهود الدفاع وتهديدهم ازاء صمت القضاء الجالس. وفي جميع احوال الشكوى من انتزاع الاعترافات تحت التعذيب لوجب على المحكمة سير الدعوى للبت بصحة الادعاء وهو موقف خالف اصول المحاكمات اذ لو صح الادعاء بالتعذيب لوجب على المحكمة صرف النظر عن تلك الجزئية. اما ان استمرت بالمحاكمة دون جلاء ذاك الاتهام لكانت المحكمة تؤسس لحكم يقوم على جزئية باطلة.
4- المحاكمة وهي على درجة واحدة فما من مظر للتحامل على المتهمين لم تعمد اليه منها ان الدكتور جعجع احتج لرئيس المحكمة ان اوراقه التي اعدها للدفاع عن نفسع قد صودرت منه. فبدلا من الامر باعادتها اليه قال القاضي "يا دكتور انت معروف بالذكاء فما حاجتاك الى الاوراق؟"

وانتهى النظر في معظم التهم بصدور حكم بالاعدام يخفض الى المؤبد ثم كان السجن الذي استمر 11 عاما وانتهى بالافراج عن الدكتور جعجع في 26 تموز 2005. تميزت فترة الجسن بانتهاكات هذه بعضها:
1- احتجاز الدكتور جعجع في اقبية وزارة الدفاع وهي ليست على اللائحة التي حددت السجون اضيفت لاحقا اليها وان افتقدت مواصفات السجون حسب الاتقاقيات الدولية
2- ابقائه ما يزيد على 11 سنة في الانفراد وهي معاملة غير انسانية تخالف بروتوكول اسطنبول والي لا توقع الا كاجراء تاديبي اثناء المحكومية ولفترة محددة لا تتعد الاربعين يوما.
3- عدم الاذن له بالانفراد مع احد من زواره دون استثناء سر الاعتراف ما اثار استهجان المرجع الديني وخروجه دون الاستماع الى سر الاعتراف والتوبة واعطاء الحل.
4- التعذيب النفسي والحط من كرامة القلة التي تسمح لها بزيارته.
5- الحق بالخروج من الزنزانة الى الهواء الطلق غالبا ما كان مزاجيا.
حري بكل لبناني ان يخجل من معاملة اشهر سجينين في تاريخنا الحديث وربما الغابر: سمير جعجع وجريس الخوري لطبقيته وعنصريته. فلو انحدر رئيس الهيئة التنفيذية من السلالات السياسية او من الطبقة الموسرة ما عومل بما عومل به لا بل ربما ما كان احيل على المحاكمة اصلا. كذلك جريس الخوري فلسطيني مسيحي. فلا الفلسطينيون اكترثوا له لمسيحيته ولا المسيحيون انتصروا له لفلسطينيته.
بعد عرضنا بقدر كبير من الايجاز لهذا الفصل القاتم في تاريخ العدالة في لبنان نتساءل:
– هل من ذكرى غابرة ام هي ممارسة قاتمة؟
– هل من حاجة الى اجراءات تحول دون تكرارها؟
– ما هي هذه الاجراءات؟
ما زال تجاهل القانون وانتهاك احكامه شائعا في لبنان. ففي العام 1997 اوقف ثم اعتدي بالضرب على الصحافي بيار عطالله الذي فر بحياته الى فرنسا حيث حاز حكما من محكمة فرنسية بحق اللجوء السياسي وهي ادانة من قضاء محتوم لنضوب حرية التفكير والتعبير في لبنان. اهمية الحكم انه ما كان كيديا بل صدر في ذروة العلاقات الحسنة بين بيروت وباريس.
تعدى التعذيب المحاكمات السياسية مؤخرا ليطال النزاعات المالية. فقد اتصل بنا منذ اسبوع منذ ابلغنا انه اوقف لنزاع مالي قرابة الاسبوعين بطريقة تخرج عن الاصول وعذب اثناء توقيفه لاسقاط حقوقه المالية لكنه وفق بطبيب شرعي ذي جراة اعد تقريرا طبيا برضوضه واصفا اثار التعذيب على جسده.
اما الحاجة الى اجراءات وقائية لحماية حكم القانون ووقف التعذيب فضرورية وحالة خاصة وان لبنان على حافة هاوية وبداية متزلق يعيده الى ما خرج منه بعسر شديد وثمن مرتفع.
كيف يكون العمل؟ بتعبئة المجتمع المدني خط دفاع لبنان الاخير فالمجتمع المدني خاصة من خصائص لبنان ما زال به نبض وان تراجع مؤخرا بعض الشيء.
على جميع من يرجون وطنا خليقا بالانسان ان يحشدوا انفسهم ويعبئوا طاقاتهم وراء القم المعاصرة قيم حقوق الانسان والشرائع الدولية المنبثقة عنها ويخرجوا الى العلن دفاعا عن حكم القانون وصونا لمفهوم المواطنية والا باتوا رعايا بدلا من مواطنين.
عليهم ايضا ان يعمموا مفاهيم حقوق الانسان ما هي حقوق كل شخص بشري وما هي طبيعة هذه الحقوق هل هي اصيلة وثاتبة ام هي مضافة متحولة؟ عليهم ان يدركوا انها تتقدم والقانون الوضعي وتسمو عليه. بل اكثر ان حقوق الانسان معيار صحة القوانية والمراسيم والقرارات بحيث ان خالفتها كانت القوانين غير شرعية وغير ملزمة.
على الجميع ان يكون في صلب يقينهم ان التعذيب مخالف لحقوق الانسان وان اتفاقيات تفصيلية وضعت بشأنه انضم لبنان اليها في العام 2000. التعذيب واسع الانتشار في اماكن التوقيف والتحقيق وعلى ضحاياه ان يرفعوا الصوت وان يدعوا مرتكبيه فان لم ينصفوا محليا عمدوا الى القضاء الدولي. وقد بدأت طلائع المداعاة بالتعذيب تظهر وثمة حكم ولو خفر صدر بحق مرتكبيه.
لا بد لمرتكب التعذيب ان يعيد النظر في ما يقترف عند معرفته بالملاحقة المحلية والدولية في حال التعذيب الجسيم او المتمادي مما يوقع الخشية في نفسه ويغل يده.
حث نقابة الاطباء ان تتخذ قرارا جريئا على غرار مثيلاتها في اميركا اللاتينية بمعاقبة كل طبيب يثبت وجوده في اماكن التوقيف ومراكز التحقيق ذلك ان التعذيب الجسيم لا تجرؤ اية سلطة على ارتكابه الا في حضور طبيب يوجه خطواته.
واخيرا علينا ان نبقي على ايماننا بالحرية. الله الذي يكرم الانسان بخلقه حرا يحترم الحرية ويقف على باب كل انسان يقرعه ولا يقتحمه وضع في كل منا منعة تهزم كل عتي جبار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل