الوحدة الوطنية حققت الاستقلال والسيادة والاستقرار
حماية لبنان من خطر إسرائيل شرطها الأول التوافق
يقول مرجع ديني ان الوحدة الوطنية هي التي ترسي قواعد ثابتة للعيش المشترك وتحقق الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي ومن دونها لا يتحقق شيء من كل ذلك.
ويضيف المرجع نفسه ان هذه الوحدة كلما تجسّدت بين اللبنانيين مسلمين ومسيحيين ازداد الاستقلال مناعة والدولة قوة والسيادة الوطنية رسوخاً. فلولا الوحدة الوطنية التي جمعت المسيحيين والمسلمين حول موقف واحد لما كان الاستقلال الاول عام 1943 وانتهى الانتداب الفرنسي، ولو لم تتجدد هذه الوحدة عام 2005 لما تحقق الاستقلال الثاني وانتهت الوصاية السورية. ولكي تبقى الوحدة الوطنية متينة وراسخة ينبغي الاخذ بدعوة الارشاد الرسولي الاساسية وهي دعوة المصالحة والسلام التي تقوم على التوازن والعدالة والكرامة، وهذا يتطلب الا يعتقد احد ان موقعه الخاص يسوّغ له البحث عن امتيازات له او لطائفته بإبعاد الآخرين. فالتزام السلام من الجميع يقود الى مصالحة حقيقية بين جميع اللبنانيين بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم ومذاهبهم. وذكّر المرجع نفسه بما كان الامام موسى الصدر قد اعلنه بوضوح وهو: "اننا جميعاً مسلمين ومسيحيين في شراكة حقيقية للحياة وللمصير، اما ان ننسجها معاً خيطاً خيطاً او لا تقوم لنا قيامة، اما ان ننهض جميعاً ومعاً او نسقط واحداً واحداً فأي طائفة لا يمكن ان تنجز مشروعاً خاصاً بها وان هي حاولت ذلك فستخلق حالة دمار شامل ولن ينجح هذا المشروع". ويضيف الامام في كلمته امام مؤتمر الحوار الدائم في مدرسة الحكمة (22/5/1974): "ان المسلمين على وعي كامل ان لا كرامة لوطن يشعر بعض ابنائه بانتقاص كرامتهم، ولا امن لوطن يشعر بعض ابنائه باختلال امنهم، ولا قيامة لوطن يشعر بعض ابنائه بانتقاص حقوقهم. فالشكوى يجب ان تسمع، والخلل ان وجد يجب ان يصحح لتستقيم الاوضاع ويتحقق معنى لبنان، ومن هنا دعونا وندعو الى المصالحة الوطنية الشاملة ورحبنا وما زلنا بالسينودس".
وهذا معناه ان الامام موسى الصدر دعا السياسيين والقياديين في لبنان الى ان يباشروا الامور برفق والا يدفعوا الامور نحو ازمة في ما يتعلق بالاختيارات الكبرى في شأن الدولة والمجتمع وان تكون روح الحوار والانفتاح والاخلاص للبنان وشعبه هي الحاكمة، انه امتحان كبير وخطير.
وفي كلمة للامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في قرية بنهران الشيعية في الكورة عام 1991 قال: "لن يكون لبنان مسيحياً ذا وجه عربي او اسلامي ولن يكون اسلامياً ذا وجه مسيحي او اوروبي، لبنان هو لبنان، هويته تتكون من تنوعه. فاذا كان الخطاب السياسي الاسلامي يعاني من خلل ما، فعلى القيمين على هذا الخطاب في الحكم وفي المجتمع ان يعيدوا النظر في عناصره لكي نخرج نهائياً من عقلية الفتنة وندخل بصورة نهائية في آفاق الوحدة والتعاون لتثبيت وترسيخ صيغة العيش المشترك التي ينفرد بها لبنان في العالم".
ولم يكتف الامام شمس الدين بهذا القدر من الوضوح والشفافية ومن العدل والانصاف ومن الكرامة والانسانية بل اكد مراراً وتكراراً اهمية الصيغة اللبنانية وضرورة حفظها وتطويرها. لذلك امتلك شجاعة التراجع عما كان يدعو اليه، وهو الديموقراطية العددية والقول بأنه تبصر ودرس الحالة اللبنانية فدعا في آخر ايامه الى خصوصية لبنانية جعلته يقول انه لو حصلت وحدة عربية شاملة فسيكون هناك دولتان عربيتان مستقلتان: دولة الوحدة ودولة لبنان، لان لبنان ليس فقط حاجة وطنية لبنانية بل هو ضرورة عروبية واسلامية. وقد صاغ في وصاياه الاخيرة رؤيته للمشاركة والشراكة في أروع صياغة انسانية حضارية تجاوزت كل المألوف الاسلامي وذلك بدعوته المسلمين اللبنانيين والعرب الى الحرص الكامل التام على ضرورة وجود وفاعلية المسيحيين في لبنان وعلى تكاملهم وعلى شعورهم بالانتماء الكامل والرضى الكامل، وعلى عدم اي شعور بالاحباط او بالحرمان او بالنقص او بالانتقاص او بالخوف على المستقبل".
لكن المرجع الديني اياه يرى ان هناك من يذكي الانشقاق بين اللبنانيين تحقيقاً لاهدافه ومراميه ويجعل المعادلة اللبنانية بالغة التعقيد والصعوبة بحيث باتت المشكلة التي يواجهها لبنان كما قال وزير الخارجية المصري ابو الغيط "ان لهذه المشكلة بعداً لبنانياً – لبنانياً ان على مدى 40 عاماً كان لبنان يتعرض دائماً لشد وجذب داخلي ووصل احياناً لتصادم على الارض، ولها بعد آخر هو البعد الاقليمي حيث تعرض لبنان على مدى 40 عاماً ايضاً للكثير من الشد والجذب الداخلي نتيجة للتأثيرات الخارجية، فمن ازمة 1958 ودخول القوات الاجنبية، ثم الحرب الاهلية والظهور الفلسطيني على الارض اللبنانية الذي زاد المعادلة تعقيداً، وهناك اليوم تأثيرات اقليمية خارجية تتمثل في ان عناصر التأثير الخارجي اشتبكت بعناصر التأثير الداخلي واصبحت جزءاً عضوياً منها ولا تفريق بين هذا او ذاك، والحل هو في ان يتوقف التأثير الخارجي والاقليمي حتى تتاح الفرصة للبنانيين ولكل من يساعدهم على تسوية مشاكلهم.
هل يتوصل اللبنانيون في اجتماعات هيئة الحوار الوطني الى اتخاذ موقف موحد من الاخطار التي تهددهم ولا سيما الخطر الاسرائيلي فيواجهوها بوحدة صف ووحدة موقف سواء كانت المواجهة باستراتيجية سلام او باستراتيجية حرب، وكلا الاستراتجيتين تحتاجان الى اتفاق وتوافق بين الزعماء اللبنانيين كي يصير في امكان الدول الشقيقة والصديقة مساعدتهم على ما اتفقوا عليه. فإذا اتفوا على ان تكون الاستراتيجية للحرب، فلا ينبغي ان يكون لبنان الساحة الوحيدة لها بل ان تكون كل الساحات العربية مفتوحة امامها، واذا تقرر ان تكون استراتيجية سلام، فلتكن مع العرب وتحديداً مع سوريا لان مزارع شبعا اللبنانية لا تخضع لاحكام القرار 425 بل لاحكام القرار 242 التي تخضع لها هضبة الجولان وتأكيداً لذلك فإن الرئيس بشار الاسد في حديثه التلفزيوني الاخير لم يحسم موقف سوريا من هذه المزارع.
والسؤال الذي يطرحه المرجع الديني بعد هذا العرض هو: هل في لبنان رجال على مستوى مواجهة التحديات والاخطار كما كان في الماضي ومنهم البطريرك الحويك والامام موسى الصدر والامام محمد مهدي شمس الدين ام ان لبنان سيجد نفسه مضطراً الى حمل مصباح ديوجين ليفتش عنهم في هذا الزمن الرديء من ازمة الاخلاق والمواطنة؟
ان المفكر والسياسي ميشال شيحا استبعد في كتابه عن "السياسة الداخلية" ان يرى اللبنانيين جميعاً وفجأة على وفاق انه حلم كما يقول والحل الذي يرتأيه يقوم على عنصر الوقت الذي يجب كسبه و"على اي زعيم ان يمارس دور الحكيم والديبلوماسي النبيه لا دور القائد الحربي، فالوقت شرط الا نقحم عليه العنف، والامتناع عن التطرف والانقلابات، وعلى اللبنانيين ان يحموا في ما بينهم بطريقة من شأنها ان تلطّف المفارقة في وضعهم، وعليهم ان يستمروا بما فيه الكفاية ليحصلوا على حالة توازن دائمة".