عندما تخرج الى العلن دعوات تطالب المرجعيات الروحية المسيحية والقيادات المسيحية السياسية بالدفع باتجاه قيام مصالحة مسيحية – مسيحية تزيل التوترات والعداوات المزمنة والمستحدثة بين الزعماء المسيحيين، وتريح الشارع المسيحي، لا يمكن ان يكون الهدف من هذه الدعوات، تحويل المسيحيين الى قطيع يساق بإشارة من هؤلاء الزعماء، او بتوجيه منهم لأن سياسة تحويل المسيحيين الى قطيع او روبوات، ليست مبدأ من مبادىء وجودهم على هذه الارض بل كانوا دائما يمتازون بالتعدد والتنوع، والانفتاح المسيحي هذا هو الذي فتح الباب امامهم للإنتشار في كل بقعة من لبنان والاندماج مع مختلف الطوائف والمذاهب والتيارات وكذلك كان وراء انطلاقتهم الى العالم العربي المسلم والى دول العالم كافة على اختلاف اعراقها وطوائفها وعاداتها ولم يسجّل في التاريخ القديم والحديث – باستثناء العشرين سنة الماضية – قيام حملة منظمة تستهدف الوجود المسيحي في اي بلد حلّوا فيه، كمهاجرين او كأصحاب الارض الا عندما يستيقظ التعصب الديني التكفيري، عند الافراد والجماعات، او عند الانظمة الظلامية والحكام فتسقط الاديان المتسامحة في قبضة المتطرفين ويحرفونها عن مسارها الصحيح.
الدعوات الى المصالحة اذن هي بهدف تنظيم الاختلاف السياسي بين المسيحيين بحيث لا يتحول هذا الاختلاف – كما حصل في مناسبات عدة – الى تقاتل ومذابح دفع المسيحيون ثمنها غاليا من ارواحهم وارزاقهم وحتى من وجودهم.
ولذلك من المستغرب والمستهجن والمرفوض ان يصدر عن بعض القيادات المسيحية او عن بعض من ينطقون بإسمهم ان الظروف لم تنضج بعد لتحقيق مصالحة بين القوات اللبنانية مثلا والتيار الوطني الحر او بين القوات والمردة او بين القيادات المسيحية في 14 اذار وتلك الموجودة في 8 آذار ويصبح الامر غير مفهوم حقا وغير منطقي عندما يصرّح العماد ميشال عون من قلب كنيسة مار يوسف في حارة حريك «ان الخلافات يجب ان تحلّ بالحوار وليس بالدم وان في تربيتنا المسيحية لا يوجد كراهية ولا حقد وان الصلاة ممنوعة علينا قبل ان نتصالح مع اقربائنا ومع من اختلفنا معهم» وفي ذات الوقت تكون وسائل الاعلام للتيار الوطني الحر مستمرة في حملاتها على خصومها المسيحيين في شكل منهجي ومتعمّد ما يستدعي ردودا من العيار ذاته مع فارق وحيد ان التيار وحلفاءه المستعدين لدعمه يملكون امبراطورية اعلامية لا يملكها الاخرون ولذلك فإن دور العونيين في تعميق الخلافات المسيحية – المسيحية اكبر بكثير من دور خصومهم المسيحيين الذين لا يملكون مثل هذه الامبراطورية.
* * *
ان التعددية لدى المسيحيين غنى لهم ولشركائهم في الوطن ومن مصلحة قيام الدولة والمؤسسات وتحصين العيش الواحد ان تنتقل عدوى التعددية الى المذاهب الاسلامية شيعة وسنة ودروزا وعلويين والاباتي بولس نعمان الذي لعب دورا كبيرا في الحرب اللبنانية لحماية العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين ينظر بارتياح كبير الى التعددية عند المسيحيين بانفتاح قسم منهم على السنّة الذين بدأوا يجاهرون بأن «لبنان اولا» هو شعارهم للعبور الى العروبة وانفتاح القسم الاخر على الشيعة الذين بنوا مع الموارنة والدروز لبنان منذ 1500 سنة بشرط الا يؤدي هذا الانقسام السياسي الى تدمير المجتمع المسيحي بنزاعات دموية مدمّرة وبشرط ان يلتقي الجميع تحت سقف الدولة الواحدة وليس تحت سقف الدويلات التي ان استمرت وقويت، ستكون وبالا على الوجود المسيحي الحرّ في لبنان.
لا نريد للاحزاب والقيادات المسيحية ان تذوب في بعضها بعضا لأن الذوبان يصبح قاتلاً ونقطة ضعف وليس مساحة قوّة، بل المطلوب هو التعامل المسيحي الحضاري الذي ألزمنا به السيد المسيح، وسلوك الطرق الديموقراطية في مقاربة الخلافات والاختلافات.
اما ان نعمل عكس ما نقول ونتصرّف خلافاً لما نعلن اننا نؤمن به ونستمر في دفع المجتمع المسيحي نحو العداء والكراهية، فإن التاريخ الذي يملك سمعاً خلدياً، وذاكرة لا تخون، لن يرحم من كان سبباً في ضياع وطن وشعب.