ما من عربي أو أعجمي توقَّع من قمَّة سرت ما لم تتمكَّن من إنجازه أو الاقتراب منه قمم عربيَّة كثيرة سبقتها، وناخت الإبل تحت وطأة وعودها ورعودها.
جميعها كلها انعقدت بدعوات مستعجلة لمناقشة ومعالجة ما تتعرض له القضية الفلسطينيَّة، التي كانت تدعى قضية العرب الاولى، من نهش اسرائيلي مستمر ومستشرس. وعلى كل الصعد. وعلى وقع حدى يا فلسطين جينالك.
وما خطر لأحد في هذه المسكونة، ولو في لحظة تخلّ، أن تشيل هذه القمة الزير الفلسطيني العربي من البئر الاسرائيليَّة، أو تزجر بنيامين نتنياهو، وتوقف مخططاته الاستيطانيّة التوسعيَّة، أو تنقذ القدس من براثنه وبراثن أفيغدور ليبرمان وسائر المتشدّدين المسلَّحين بعدائيَّة قديمة لكل ما هو فلسطيني ولكل ما هو عربي.
وكيف يتوقَّع المواطن العربي أو المراقب الأجنبي أيّ شيء أيّ قرار وحال العرب على ما هو عليه؟
القاصي يعلم قبل الداني أنَّ لا موقف عربيّاً موحداً ولو على الحد الادنى، وعلى ما يمكنه أن يحفظ ماء الوجه. سواء أكانت القدس هي المستغيثة، أم "القضيّة الاولى" بكل تاريخها الشاق والدامي، وبكل زلازلها التي فجَّرت معظم الأنظمة العربيَّة، وألحقت ذيولها بلبنان ما لا يزال حتى اللحظة يتعثَّر بعواقبه.
مَنْ لا يعرف حق المعرفة أن العرب مختلفون على كل شيء، ومتفقون على شيء واحد هو ألاّ يتفقوا، وخصوصاً اذا كان الأمر يتعلَّق بالقضيَّة التي أثبتت التجارب والأعوام والدهر ان حجارة صبيتها هي وحدها التي أيقظت الضمير الدولي وضمير الشرعية الدولية من رقدة العدم.
وحتى الآن ليس لفلسطين الا هذه السواعد، وهذه الحجارة، وهذه الارادة التي تشبه القضاء والقدر.
أما بالنسبة الى علاقات الدول العربيّة بعضها ببعض، فالواقع يتحدَّث بصراحة ووضوح عن عجز الجامعة العربيَّة والقمم العربيَّة والمؤتمرات العربيَّة في احراز أي اختراق أو تقدمّ، على امتداد ما ينوف عن نصف قرن. فمنذ قرار التقسيم والعرب في حال اختلاف وافتراق واستنزاف.
فالخطب والكلمات والمداخلات الانشائيّة المملة، لا تزال هي اياها، والقرارات التي لا تقول شيئاً، ولا تلزم أحداً ولو بشربة ماء، لا تزال هي ذاتها، بل تراجعت الى ما دون الرتابة والركاكة.
وها هي قمة سرت التي سلَقها العقيد معمَّر القذافي على نار قويَّة ومستعجلة، بعدما قدمَّ العروض الاحتفاليَّة للاعضاء والضيوف، وبعدما برهن لصديقه الجديد رئيس الحكومة الايطالية سيلفيو برلوسكوني انه دائماً عند حسن الظن.
وبعدما أتيح مجال سرت ومجالات القمة العربيَّة الفاشلة لرئيس الحكومة التركية رجب طيّب أردوغان أن يظهر مشكوراً قلقه وعميق غيرته ولهفته على قدسنا التي تئنَّ وحيدة، وتواجه وحيدة محنة لا أشدُّ ولا أدهى.
لا، لم تنجح قمة سرت، ولا استطاع بيانها المهيض الباهت أن يحفظ ما تبقّى من ماء الوجه العربي. ولن يُكتب النجاح لقمة تشرين التي رُحٍّلت اليها الاخفاقات التي لا تُحصى للقمم السابقة، ولأسباب وعوامل وخلافات عربيَّة لا أمل في معالجتها أو الشفاء منها.
واذا كان الأمين العام للجامعة العربيَّة اللمّاح الماهر عمرو موسى قد عزا كل الإخفاقات الى الخلافات العربيَّة، فان عملاق الشعر العربي الذي يشبه مناقد النسور وحدود السيوف عمر أبو ريشة قد فتاها منذ مطلع السبعينات، وعلى أثر انتهاء مؤتمر عربي كانت فلسطين عنوانه وموضوعه بقصيدة عصماء يقول مطلعها: خافوا على العار أن يُمحى/ فكان لهم على الرباط لدعم العار مؤتمرُ…