Site icon Lebanese Forces Official Website

السباحة ضد التيار ممكنة !

لو أن سمير جعجع لوّح بإصبعه، وزيّن وجهه بعلامات انفعال، ومسح جبينه بمحرمة بيضاء، هل كان كلامه على البعد العروبي لـ"لبنان أولاً" ورفضه التقوقع والانعزال "خصوصاً عن عالمنا العربي الأوسع"، وتأكيده ضرورة قيام الدولة الفلسطينية، هل كان كل ذلك أقنع ضاربي طبول الحرب عليه وعلى "القوات اللبنانية" بأنهم أخطأوا ويخطئون العنوان؟

ربما لا يحسن جعجع قراءة دفتر الشروط الذي تشي بعناوينه "المفرزة السباقة" للوصاية التي يأمل بعض عودتها بلطف إلى لبنان، لكنه، لا شك، يحسن إزالة الألغام المفتعلة على درب تحالف قوى 14 آذار، لتفتيتها وتسهيل ابتلاعها. فليس بخاف على المتابع ضرورة أن يربط بين التهجم على رئيس الجمهورية، وعلى الرئيس فؤاد السنيورة، وعلى قوى الأمن الداخلي، والإصرار على تخوين سمير جعجع، والتذكير بماضي الصراع الداخلي الدموي متهماً البعض به، ومتجاهلاً أدوار آخرين. فهذا الربط يقول إن المطلوب إعادة المشهد السياسي إلى ما كان عليه عند الساعة الثانية عشرة و55 دقيقة، لا 56، أي قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وليس بعده.

عند عُشر هذه الثانية الفاصل بين الدقيقتين الـ55 والـ56 قبل اكتمال دورة عقرب الساعة، يعيش لبنان اليوم.
فلقد تم الاتفاق على التهدئة عربياً، ورسمت حدود المصالحة، لكن التفاصيل تركت للنيات الطيبة، وهذه تبدو إلى اليوم مترجحة: ففي الداخل من لا يريد نسيان عاداته السابقة في الاستقواء، وفي الخارج من تغازله الأيام الخوالي. والبعض يتبرع بتوزيع براءات بالوطنية وإدانات بالعمالة، من دون أن يفوض اليه التوقيع او تُسند إليه الأختام.

هذا ما يُوحَى. وإذا كانت النصوص لا تثبت النفي، فإنها لا تجزم بضده، لكأن المطلوب أن يكون المشهد أشبه بلوحة "الموناليزا"، كل يجد في ابتسامتها ما يظن أن ليوناردو دافنشي قصده.

إنه امتحان نيات، لكن نتائجه لا تظهر إلا بالتراكم وفي اللحظة الأخيرة، وإذا كان بعض النفوس يستقوي ضعفه ويستعجل الانسحاق، فإن ذلك لا يعني الناس التي فرشت ساحة الحرية يوم 14 آذار 2005، لأن هؤلاء يميزون بين الخصومة والعداء، وما فعلوه كان إعلان اختصام، وليس إشهار كراهية، لذا لا يرون مشكلة في عودة التقارب، ولا إشكالاً في العلاقات، ما دامت على سكة الاحترام المتبادل.

في كل علاقة بين طرفين مساحة تفاهم تجمعهما، تسمى بين الدول مصالح. ومن طبيعة البشر والمجتمعات الميل نحو الطغيان، وتخطّي حدود القسمة العادلة. ومن طبيعة البشر أيضاً الدفاع عن مساحة حرية كل منهم بحفظ حدودها، ومنع تخطيها.

ما نشهده اليوم محاولة تخطٍ، لا يمكن لجمها إلا بالثبات على المبادئ في وجه التيار الداعي إلى إعادة بعض صور الماضي التي تسيء، على السواء، الى لبنان وسوريا. فالسباحة ضد التيار ليست في باب الاستحالة، إذا كانت النيّات سليمة، فكيف إذا كان التيار غير جارف، والذين يرفضون الانسياق فيه ثابتون على مبادئهم؟

لم يذهب سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان، إلى دمشق بلا اقتناع، ولم تؤيده قوى 14 آذار في ذلك، قيادات وقاعدة، بلا اندفاع، فذلك ليس قراراً، إنه اختيار أورثته الوقائع والتاريخ للبنانيين والسوريين على السواء، ولن تغيره الظروف ولو جارت.

Exit mobile version