#adsense

بيروت العاصمة العصيّة على التقسيم من العثمانيين الى .. “العونيين”

حجم الخط

واحدة موحدة تاريخياً بجناحيها المسيحي والمسلم
بيروت العاصمة العصيّة على التقسيم من العثمانيين الى .. "العونيين"

لم تفكر السلطة العثمانية في القرن التاسع عشر، ولا حتى سلطات الانتداب الفرنسي، وحكومات الاستقلال الاول منذ العام 1943 بتقسيم بلدية بيروت إلى بلديات، ما يدفع اللبنانيين، وأبناء بيروت تحديداً، الى التساؤل هل كان هؤلاء جميعاً مخطئين، في حين أن من يقف اليوم وراء طرح تقسيم بلدية بيروت على حق؟

سؤال محق لا بد منه، تبرز أهميته في أنه يستند الى التاريخ لا الى "رغبة سياسية كونفدرالية" أثبتت التجربة أنها "النقيض" للوحدة الوطنية والعيش المشترك، فكان أن رفض رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، في أوج اشتداد مطالبة "التيار الوطني الحر" بتقسيم بيروت في الانتخابات البلدية، أن يدخل في بازار "الاستثارات العاطفية المصطنعة"، وذلك عندما قطع الطريق على محاولة جر لبنان الى "مغامرة سياسية" من شأنها ضرب وحدة العاصمة بيروت التي هي رمز وحدة لبنان، كما من شأنها تهديد المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، والتي يحرص عليها الرئيس الحريري كما والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري "أشد الحرص".

هدأت "عاصفة التقسيم" آنذاك، بعد أن جبهت بمحور "ممانعة" قوامه نواب بيروت المسلمون والمسيحيون على السواء، وكذلك مسيحيو "14 آذار" بشكل عام، علماً أن العاصفة هبت من خارج السياق العام للتعديلات التي طرحها وزير الداخلية والبلديات زياد بارود، في ما بدا أنها تخفي هدفاً سياسياً لـ"التيار العوني" بالدفع نحو تأجيل الانتخابات البلدية، في وقت كان الجو العام، وما زال، يدفع باتجاه إجراء هذه الانتخابات في موعدها، ولو على أساس القانون النافذ، إذا تعذر البت في ما يسمى التعديلات الاصلاحية نظراً لضيق الوقت.

هبت "عاصفة التقسيم" مجدداً بالتزامن مع اتجاه مجلس النواب الى حسم مصير الانتخابات، موعداً وإصلاحات، فكان أن رفع رئيس "التيار الوطني الحر" النائب ميشال عون سقف خطابه السياسي بقوله "انه لو نزلت السماء على الأرض فلن نقبل بأن تبقى بيروت دائرة انتخابية واحدة"، في رسالة بدت واضحة المضمون الى حلفائه الذين لا يجارون رغبته بالتقسيم، وأبعد من ذلك بتأجيل الانتخابات.

في المقابل، فإن وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية ميشال فرعون، والنائب نديم الجميل، اللذين يمثلان الدائرة الاولى في بيروت (الاشرفية الرميل الصيفي) في المجلس النيابي، يرفضان التقسيم "ولهجة التهديد" ممن لا يملك تمثيلاً نيابياً في بيروت، خصوصاً أن فرعون يرى أن "خطورة تقسيم بيروت تكمن في أنه يؤدي الى المثالثة بدل المناصفة التاريخية"، في حين يرفض الجميل "التقسيم انطلاقاً من جملة معطيات، أهمها مصلحة المسيحيين بشكل خاص"، بينما يعتبر عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار حوري "أن المطالبة بتقسيم بيروت طعنة للعيش المشترك وللمناصفة ولروحية اتفاق الطائف".

لم تكن بيروت يوماً طائفية، ولن تكون كذلك، فهي عاصمة الوطن الحاضنة لكل اللبنانيين، ووحدتها بالنسبة للشخصيات البيروتية كانت وتبقى فوق أي اعتبار سياسي أو طائفي، وبمعزل عن أي اصطفاف، لذا فإن هؤلاء كالرئيس سليم الحص والنائب تمام سلام، نجل الرئيس الراحل صائب سلام، ورئيس جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية محمد أمين الداعوق يعارضون المس بوحدة بيروت وبرمزيتها، لا سيما وأن الرئيس الحص اعتبر أن طرح التقسيم "من شأنه تكريس الطائفية"، في حين أكد سلام " التمسك بوحدة بيروت بعيداً عن أي تقسيم أو نسبية"، لاعتباره "أن هناك مزايدات طائفية لاثارة بعض المشاعر".

في موازاة ذلك، يشدد رئيس بلدية بيروت عبد المنعم العريس على أن "الرئيس الشهيد عالج موضوع الانتخابات البلدية بحكمة وبطريقة لاقت قبولاً وتأييداً من المواطنين، بالرغم من أن القانون البلدي لا ينص على طائفية الاعضاء، لكنه ارتأى أن وحدة بيروت تستوجب المناصفة، فكان أن مارس أهالي بيروت ما أوصى به الرئيس الشهيد، وكانت النتيجة المحافظة على العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين".

وفي موازاة الوقائع السياسية الراهنة، لطالما كان التاريخ نقطة الارتكاز في حياة الاوطان، فالعودة الى التاريخ تشكل أساساً، ولاسيما إذا كانت وقائعه مترابطة بشأن بلدية بيروت، وتقود الى خلاصة واحدة مفادها "أن بيروت كانت على مر العصور مدينة واحدة موحدة لا تقسيم لها، ولا تفتيت لجهود ابنائها، بل هي موحدة، بلدية ونواباً ووزراء وادارات بلدية وحكومية". لذا يدعو العريس الى "الابقاء على بلدية بيروت موحدة، من دون تقسيم، لأن خصوصية بيروت تقتضي المحافظة على المناصفة ووحدة العاصمة".

يعود مؤرخ "بيروت المحروسة" الدكتور حسان حلاق بتاريخ بلدية بيروت الى أيام الدولة العثمانية، مروراً بالانتداب الفرنسي، وصولاً الى حكومات الاستقلال منذ العام 1943، وليس انتهاءً بأيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي يقول حلاق "إنه أيقن تماماً اهمية بلدية بيروت وأهمية صيغتها الوحدوية، فحرص حرصاً شديداً مع ابناء بيروت الأوفياء، ومن كل الطوائف، على ان يكون المجلس البلدي الجديد العام 1998، ومن ثم المجلس البلدي عام 2004، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وكان في جميع اجتماعاته مع القوى والفاعليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولجان الاحياء والمناطق يؤكد باستمرار على أهمية العيش المشترك وأهمية المناصفة في المجلس البلدي مع التأكيد على ان الاهتمام بمناطق بيروت هو اهتمام في المستوى ذاته، فلا فرق بين الاشرفية والبسطة، ولا فرق بين الصيفي ورأس بيروت، ولا فرق بين الجميزة وزقاق البلاط".

في التاريخ
إذاً، يفيد التاريخ ان بلدية بيروت تأسست في العهد العثماني في القرن التاسع عشر، وكانت المحاولة الأولى لتأسيس مجلس يهتم بمدينة بيروت منذ عهد ابراهيم باشا، إبن والي مصر محمد علي باشا، حيث أنشأ مجلساً عُرف بين أعوام 1831 1840 بإسم "مجلس شورى بيروت" و"مجلس ديوان بيروت".

وفيما يشدد حلاق على أنه "منذ ذاك التاريخ، أكد البيارتة على أن يكون هذا المجلس مناصفة بين المسلمين والمسيحيين"، ويشير الى أنه "فيما بعد صدر الفرمان السلطاني في عام 1877 بإنشاء أول بلدية لبيروت، كان لها نظام خاص ، وعلى رأسها رئيس من وجهاء بيروت، وأعضاء من المسلمين والمسيحيين ممن يمتازون بالوجاهة والعمل التطوعي في الشأن العام من دون أن ينالوا أي رواتب".

ويوضح أنه "نتيجة للتفاهم الإسلامي المسيحي، وسياسة العيش المشترك منذ القرن التاسع عشر، من إبراهيم باشا الى رفيق الحريري كان التوافق الإسلامي المسيحي في إطار البلدية قد نهض بسكانها وبأوضاعها الصحية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية".

إلا أن الاهم يبرز في أن من يطّلع على صلاحيات بلدية بيروت منذ العهد العثماني يدرك – والكلام لمؤرخ "بيروت المحروسة" لماذا أطلق عليها اسم "حكومة بيروت"، ولماذا أطلقت عليها الدولة العثمانية تسمية "بلدية بيروت المحروسة"، ثم أطلق عليها الانتداب الفرنسي اسم "بلدية بيروت الممتازة"، ذلك أن حلاق يلفت الى "معلومة" قد يكون "البيارتة" واللبنانيون لا يعلمونها، "وهي أن من صلاحيات بلدية بيروت في العهد العثماني، لا سيما في عهد رئيس البلدية سليم علي سلام "أبو علي"، كان في مقدمتها الإشراف على الانتخابات النيابية لاختيار نواب في مجلس النواب العثماني الذي كان مركزه اسطنبول".

ومنذ ذلك الوقت، وبلدية بيروت تحقق إنجازات هامة، بفضل أعضاء المجلس البلدي والوجوه السياسية والاجتماعية والاقتصادية الذين كانوا يسعون الى مشاريع الإصلاح والتحديث، وأول هذه المشاريع، كما يفيد حلاق، "في بيروت، بل وفي الدولة العثمانية، إنما انبثق عن بلدية بيروت، وفي دار البلدية في محلة باب ادريس آنذاك، عندما أعلنت في كانون الثاني عام 1913 ولادة جمعية بيروت الإصلاحية التي طالبت بالإصلاح والتحديث وباللامركزية وبجعل اللغة العربية لغة رسمية في الدولة"، والاهم أن هذه الجمعية أيضاً كانت مناصفة بين المسلمين والمسيحيين (48 عضواً مسلماً 48 عضواً مسيحياً).

وفي هذا السياق، يلفت مؤرخ "بيروت المحروسة" الانتباه الى أن "رئيس بلدية بيروت عمر بك الداعوق وبعد انتهاء الحكم العثماني، أُعلن لأول مرة رئيساً للوزراء، ممثلاً للأمير فيصل ابن الشريف حسين آنذاك".

وبعد العهد العثماني، استمرت بلدية بيروت طيلة عهد الانتداب الفرنسي وطيلة عهود الاستقلال، بما فيها فترة الحرب اللبنانية، تمثل صيغة العيش المشترك، صيغة البلدية التي تجمع ولا تفرق، فكان ما انجزته البلدية على كل صعيد هو السبب الرئيسي في ما تعيش بيروت فيه اليوم من تقدم وتطور ونهوض عمراني.
ولعل من الانجازات التي لا تزال ماثلة في أذهان اللبنانيين، حين استطاعت بلدية بيروت برئاسة المهندس عبد المنعم العريس أن تحقق انتصاراً حضارياً مهماً عندما فازت بمشروع "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"، بالرغم من منافسة الكثير من الدول والبلديات والمدن، غير ان وحدة البلدية واخلاص رئيسها وأعضائها هو الذي حقق هذا النصر المتميز ثقافياً وحضارياً في العالم.

تأسيساً على ما تقدم، يرى حلاق "أنه من الاهمية بمكان ان نؤكد ان العامل الرئيسي في تقدم ونهضة ورقي بيروت انما يكمن في وحدتها، وفي وحدة بلديتها، فمدينة بيروت رقعة جغرافية متواضعة"، ويعتبر "أن تقسيم بلدية بيروت الى بلديات يعني تقهقرها وتراجعها وتخلفها عن الركب الحضاري والثقافي".

.. وفي السياسة
إذاً، كانت بلدية بيروت على مر التاريخ واحدة موحدة، فلماذا يسير "التيار الوطني الحر" عكس التيار، ويطالب بتقسيم بلدية بيروت، متذرعاً بـ"تسوية الدوحة" التي قسمت العاصمة الى ثلاث دوائر في الانتخابات النيابية الاخيرة، لكن، وكما يرى المراقبون، فإن ظروف مطلب تقسيم بيروت في الانتخابات البلدية تختلف، و"التيار الوطني الحر" حامل لواء تقسيم العاصمة لأجل "تمثيل وإنماء متوازن أفضل" يصارع وحيداً من دون حلفائه.

ولا تقف الامور عند هذا الحد فـ"التيار الوطني الحر" خسر الانتخابات في بيروت، وتحديداً معركة الدائرة الاولى (الاشرفية الصيفي والرميل)، وفي هذا السياق، فإن مسيحيي 14 آذار يرفضون تقسيم بلدية بيروت، وهذا ما أكدوا عليه مراراً وتكراراً لحرصهم على "المناصفة"، علماً أنهم كما مسلمي 14 آذار منفتحون على النسبية التي بدا واضحاً من مداولات مجلس النواب أنها تحتاج الى دراسة معمقة.

يدرك غالبية المسيحيين أكثر من غيرهم أن طرح التقسيم يستدعي دراسات مطوّلة، وأبعد من ذلك فإنه يشكل خسارة لهم في حال استمرت "السقوف العالية" التي لا تراعي مصلحة المسيحيين، وهذا ما يؤكده لـ"المستقبل" وزير الدولة لشؤون مجلس النواب ميشال فرعون الذي يرفض المزايدة على "مصالح المسيحيين، خصوصاً من الفريق الذي لا يملك تمثيلاً نيابياً في بيروت، ويهدد بالنسبة لتقسيم بيروت"، وهذا ما يرفضه أيضاً النائب نديم الجميل بقوله :" نرفض التقسيم انطلاقاً من جملة معطيات، أهمها مصلحة المسيحيين بشكل خاص والمواطن بشكل عام، إذ لا يمكن الحديث عن مشروع قانون غير مدروس وغير واضح المعالم، والغاية من طرحه لا تعدو كونها شعارات لا تقدّم ولا تؤخّر". إلا أن الوزير فرعون يرى أن "خطورة تقسيم بيروت تكمن في أنه يؤدي الى المثالثة بدلاً من المناصفة التاريخية".

وتعليقاً على قول العماد عون "لو نزلت السماء على الأرض فلن نقبل بأن تبقى بيروت دائرة انتخابية واحدة"، يعتبر النائب نديم الجميل أن هذا "الكلام التهديدي بشأن تقسيم بيروت" "مرفوض جملة وتفصيلاً"، ويشير إلى أن "رفع السقف بهذه الطريقة من أجل الوصول إلى صفقة ما يشارك فيها العماد عون هو ضرب من الخيال".

ومن جهته، يرى عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار حوري أن المطالبة بتقسيم بيروت رغبة بتقسيم سياسي، وهي في مكان ما طعنة للعيش المشترك وللمناصفة ولروحية اتفاق الطائف"، ويعتقد "أن من يطرح تقسيم بيروت يتشاطر بهدف تأجيل الانتخابات أو إلغائها، ربما لخوفه من نتائجها الى درجة الهلع".

وإذ يشدد على أن ""السما في مكانها والأرض في مكانها، وبيروت الموحدة في مكانها"، يقول:"لدينا تجربة نموذجية رائدة قدمها الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 1998، وتكررت في العام 2004 من خلال بيروت مدينة موحدة ونجحت في انتخابات مجلسها البلدي من خلال المناصفة بين المسلمين والمسيحيين وتمثيل كل العائلات الروحية فيها وتمثيل كل الفئات السياسية"، مؤكداً أن "هذه التجربة النموذجية والناجحة يجب ألا تشوه".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل