حرص الرئيس سعد الحريري على ان يكرر دائماً القول، اننا سنقبل بالحكم الذي سيصدر في النهاية عن المحكمة الدولية، التي شكلت لكشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وكذلك في سلسلة الجرائم الاخرى التي استهدفت سياسيين واعلاميين نشطوا في انتفاضة الاستقلال كما هو معروف.
عندما يتحدث المرء عن محكمة دولية يشارك في اعمالها قضاة ومحققون من عدد كبير من البلدان، بينها دول عربية، وتعمل تحت راية الامم المتحدة، يصبح كل حديث عن تسييس عمل هذه المحكمة من باب الفرضية او التخوّف، او بهدف التشكيك او اثارة الغبار سلفاً حول ما يمكن ان يصدر عنها.
واذا كانت هذه المحكمة تعمل في جو من السرية والتكتم الشديدين منذ تسلم القاضي الكندي بلمار مسؤولية التحقيق على الاقل، فإن محاولات اثارة الشكوك حول عملها ليس اكثر من اجتهادات شخصية دفعت بلمار قبل اسبوع الى التوضيح ان كل ما قيل ويُقال لا علاقة له عملياً بالمحكمة او بالتحقيق المستمر والمتشعّب، الذي يسعى الى الامساك بما يكفي من الادلة الثابتة والقرائن الدامغة التي تشكل قاعدة صلبة لوضع قرار اتهامي يتقدم به الى هيئة المحكمة، التي لها في النهاية ان تصدر احكامها.
❑ ❑ ❑
واذا كانت المحكمة الدولية، وهي الاولى من نوعها، تحرص الآن في مرحلة استكمال التحقيقات على التكتم والسرية، فإنها ستكون غداً مطالبة بأقصى الوضوح والشفافية، وسيكون عملها، سواء في القرار الظني او في سياق مسار المناقشات توصلاً الى الاحكام، تحت دائرة الضوء والتدقيق من كثيرين في العالم، بما يعني انه لن يكون في وسعها اطلاقاً العمل على طريقة "دُبّر بليل"، بهدف التسييس واستهداف من ليس له علاقة بالجرائم المرتكبة.
في كلام أوضح، ستشكّل المحكمة في عملها، تحقيقاً وقرارات، معياراً لصدقية الامم المتحدة ومجلس الامن وعدد كبير من الدول التي شاركت في جهازها وعملها، ولن يكون من السهل او الممكن ان تمتد اليها اصابع التسييس وغرضيات السياسات، وخصوصاً ان الاسانيد والقرائن والادلة ستُكشف امام الجميع وسيكون من السهل دحضها اذا لم تكن راسخة ودامغة وحسية وثابتة.
واذا كانت المحكمة تتعمد كما قيل ان توسّع اطار من تستمع اليهم كشهود بهدف الاحاطة الكاملة بكل تفصيل وبهدف التمويه على بعض من يمسه الاشتباه، فإن ذلك لا يعني ان كل شاهد مشتبه فيه، وبالتالي لا ندري لماذا ترتفع اصوات تحذّر من حوادث امنية قد تقع في لبنان بسبب اعمال المحكمة او من فتنة داخلية قد تشعل البلاد، وخصوصاً ان الامر في النهاية لا يمكن الا ان يكون عمل محكمة دولية تملك ادلة وقرائن دامغة او لا تملك!
❑ ❑ ❑
واذا كان معظم اللبنانيين يرى ان من الضروري ترك المحكمة تقوم بعملها، وان حكمها سيكون مقبولاً من الجميع وفي مقدمهم سعد الحريري وارث المصاب والدم، فإن اثارة المخاوف سلفاً من المحكمة يثير بالطبع جملة من التساؤلات، وخصوصاً عند الحديث عن فتنة داخلية. ولهذا لم يكن غريباً ان يقول رئيس الحكومة ان القوى الامنية في لبنان من جيش وقوى امن داخلي ستكون جديرة بأن تحفظ أمن اللبنانيين، وان اي مسّ بأمن لبنان سيتلقى ضربة من القوى العسكرية وحكومة الوحدة الوطنية الحريصة على كشف الحقيقة، وان لا مجال للعب بأمن لبنان أو لإجهاض المحكمة.