#adsense

هل تتأثّر الصورة الثلاثية في دمشق بفعل الكلام على “حزب الله” والمحكمة ؟

حجم الخط

ماذا تغيّر منذ ان ظهرت صورة القمة الثلاثية في دمشق الى ان بدأ التصوير الثلاثي البعد في بيروت، ومن دون ان تظهر حتى الآن صورة النائب وليد جنبلاط في العاصمة السورية؟

في خضم الهروب الى الامام الذي كانت تعيشه الساحة اللبنانية، بالبحث العقيم في التعيينات والانتخابات البلدية والملفات اللبنانية – السورية، أوحت اجواء سياسية ان لا خطوات مستعجلة على خط المحكمة، ولا قرار ظنيا قبل نهاية السنة، وان المفاوضات السورية السعودية طوت هذه الحقبة، وان الوقت متاح حاليا للانصراف الى متابعة التحضيرات الاسرائيلية لاحتمالات حرب في المنطقة.

لكن فجأة انفجر ملف المحكمة الدولية معيدا الامور الى النقطة الصفر حيث كانت قبل خمسة اعوام، وراسما سقفا عاليا من المخاوف حول مصير الوضع الداخلي. في وقت يختصر احد المسؤولين الامنيين الغربيين في مجلس خاص الوضعَ اللبناني الحالي بأنه يقترب من حافة الخطر. وحذّر من التقاهم ان ثمة استحقاقات داهمة، متسائلا عن قدرة لبنان على تحمل العاصفة التي تهب حاليا من باب المحكمة الدولية.

ورافقت هذه التحذيرات معلومات تتداولها مراجع امنية عن ان لبنان عاد ساحة تجاذب سياسي يمكن اي طرف الافادة منه، وان الحد المطروح اليوم يراوح بين احتمالات عدة، إما عودة لبنان الى 7 ايار او 12 تموز 2006، وإما – كما تسرب من معلومات امنية – احتمال حدوث عمليات اغتيال تتناول شخصيات رفيعة ضمن لائحة ضيقة ومن اكثر من اتجاه سياسي، وصولا الى الحديث عن تهديد "اليونيفيل" بعدما جرى الحديث سابقا عن حاملي الجنسية الاجنبية واحتمال تحويلهم رهائن، بما يذكر بفترات سوداء من الحرب اللبنانية.

مع بداية الحديث عن امور تقنية بحتة حول فريق عمل التحقيق الدولي وتصويره مسرح جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أعلن الوزير السابق وئام وهاب استدعاء فريق التحقيق عناصر من "حزب الله" الى التحقيق. فاجأ الخبر اوساط المعارضة والاكثرية على السواء، وخصوصا ان مصدره ليس الاكثرية او حتى محسوبين عليها، انما احدى شخصيات المعارضة المحسوبة على سوريا، واستتبع الأمر بحملة من شخصيات سياسية واعلامية في المعارضة على دور ما لـ"حزب الله"، في لعبة كرست زج اسم الحزب في عملية لم تتبنّها المحكمة الدولية ولم يصدر بعد قرار ظني فيها. واخطر ما في الامر ان الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله اضطر الى الدخول على خط سجال اعلامي وسياسي، لا يزال من دون اسس واضحة، وكأن الاستدراج لزج اسم الحزب نجح لبنانيا بعدما نجح في "در شبيغل" الالمانية وصحيفة "الموند" الفرنسية، وحتى في كتاب السلسلة الفرنسية البوليسية "لائحة الحريري".

من هنا بدأت الاسئلة تطرح حول عما وراء الخبر، وهل ثمة ايحاء سوري للحديث عن الاستدعاءات، في محاولة لتقديم فواتير مسبقة واثمان لإبعاد سيف المحكمة عن دمشق؟

تعيد اوساط سياسية رسم المشهد اللبناني منذ اغتيال الحريري، والتداعيات التي تركها تشكيل المحكمة الدولية. ففي الاشهر الاولى التي تلت الاغتيال، كانت سوريا في قفص الاتهام، ولم يكن ثمة اشارة ولو مبطنة الى دور لـ"حزب الله" في العملية لا من قريب ولا من بعيد، بل ثمة من اعتبر حينها ان الحزب، كان يكرس بتنظيمه تظاهرة 8 آذار تحت عنوان "شكرا سوريا" مفهومَ الدور السوري في التدهور اللبناني الذي اسفر عن خروج الجيش السوري من لبنان.

الا ان تسلسل الاحداث تباعا، طرح مخاوف من ان تكون المحكمة اداة لعقاب فريق لبناني، الامر الذي دفع الطرف الشيعي الى تسجيل مواقف تصعيدية، اولا من خلال الانسحاب من الحكومة يوم اغتيال النائب جبران تويني، ثم الذهاب الى طاولة الحوار لمناقشة تداعيات القرار 1559، الذي نص على حل الميليشيات، والذي أعادت المعارضة بعد تشكيل الحكومة المطالبة بإلغائه ليطوى الملف مجددا.

بعد اشهر قليلة على انطلاق الحوار اندلعت حرب تموز، التي رأت التقارير الامنية الغربية حينها انها ذريعة سورية لابعاد شبح المحكمة عنها، وصولا الى استقالة الوزراء الشيعة في تشرين 2006، ثم الاعتصام في كانون الاول لمنع صدور قرار انشاء المحكمة عن الحكومة، واصداره عن مجلس الامن، وهو الامر الذي حصل فعلا.

ومع كل خطوة تصعيدية كانت المحكمة الدولية تسير بعملها في صورة تصاعدية، الى ان جاءت حوادث 7 ايار بعد سنة ونصف سنة على اعتصام بيروت، لتعيد خلط الاوراق مجددا، في ضوء التحضير للانتخابات النيابية وما اسفرت عنه من نتائج واعادة تموضع لجنبلاط، وانفتاح سوري – سعودي تكرس بزيارة رئيس الحكومة سعد الحريري دمشق.

في هذه الاجواء، بدأ الحديث عن رغبة سعودية في ابقاء سيف المحكمة بعيدا عن لبنان، وخصوصا ان للرياض دورا اساسيا في تمويل المحكمة منذ اللحظة الاولى، وضرورة حصر تداعياته. لكن تجربة المحاكم الدولية في يوغوسلافيا ورواندا، بحسب ما كتبته المدعية العامة كارلا دل بونتي والناطقة الاعلامية باسمها فلورانس آرتمان اثبتت ان مسار المحكمة القضائي لا يمكن التراجع عنه ولو ضغطت الدول المعنية، ناهيك بأنه سبق للحريري ان رفض الخضوع للضغط السعودي، حين جرى الحديث سابقا عن زيارة قام بها النائب علي حسن خليل ومسشار نصرالله حسين خليل للرياض.

وفق هذا المسار ما هو المرتقب؟
تختلف رؤية القوى السياسية عن تلك التي تتعامل بها المراجع الامنية، لكن الطرفين يعتبران ان لبنان دخل مبكرا في نفق، يتطلب تجاوزه عقلا لبنانيا راجحا وجهودا اكثر من استثنائية لتحييده عن مطبات امنية، فيما تعيش المنطقة ادق لحظاتها في الملف الايراني وتداعيات الخلاف الاميركي – الاسرائيلي حول معالجته، الامر الذي يخشى معه ان يدفع طرف ما ثمن اي تسوية وان تكن مرحلية.

وعلى هذا، لا تثق بعض القوى بامكان ان تنجح سوريا في تحييد نفسها تحييداً كاملا عن سيف المحكمة، تحت وطأة الحوارات التي تجريها مع واشنطن واوروبا والسعودية وتركيا، ولا سيما انها توجه اشارات متناقضة، فهي تارة تقول على لسان الرئيس بشار الاسد ان المحكمة الدولية "بازار"، ويعيد تقديم نفسه صاحب كلمة في وضع "حزب الله" بعد قمة دمشق، ثم يكشف احد حلفائها عن استدعاء المحكمة لعناصر من "حزب الله" الى التحقيق، الى درجة سؤال بعض القوى الاساسية عما اذا كان ثمة رغبة في ان يدفع الحزب ثمن تسوية ما، والى اي حد يمكن الحزب بما يملك من قوة عسكرية وامنية ان يسمح بأن يكون كبش محرقة في صراع اقليمي وداخلي.

من هنا جاء فتح ملف المحكمة في شكل مبكر والحديث عن قرب الاستدعاءات الى لاهاي، ليطرح اسئلة عن الاحتمالات الموضوعة، من احتمال انفجار الوضع الحكومي من الداخل او الذهاب بالوضع الامني الى اقسى السيناريوات، التي لا يمكن لبنان ان يتحملها. وهذا يطرح السؤال استطرادا: كيف يمكن ان تواجه القوى السياسية رد الحزب على لسان امينه العام، على محاولة اتهامه، وأولهم جنبلاط المتموضع تحت وطأة 7 ايار قرب الحزب، الى الاكثرية التي قاد الرئيس فؤاد السنيورة مسار مطالبتها بالمحكمة، وصولا الى دعوته اخيرا الى تجنب الحديث عنها في بيان البريستول في 14 آذار "لان مسار المحكمة ماشي ولن يوقفه احد".

المصدر:
النهار

خبر عاجل