حين حمل نصف جسدها نصفه الآخر واتجه به نحو المنصة، أدرك الجميع أن الأرز لا يزال بخير، وأن الثورة لا تزال على الوعد والعهد، وأن إرادة الحياة أقوى من متفجرات الموت.
وحدهم قلة من المسؤولين، أزعجتهم رؤية مي على المنصة، وذلك خشية أن تنخدش مشاعر السلطان، لا لرؤية أوصال مي المقطعة، بل لسماع دوي جرأتها المعهودة تتفجر حقيقة ساطعة في مواجهة التدجين وثقافة الصمت.
عابوا على مي أن تعبر عن وجعها، أرادوها أن تتألم من دون صراخ، أن تتقطع أوصالها بصمت. أزعجتهم تلك القشة التي "سنزرعها في عين من فجّرنا"، مع أن المحكمة الدولية لم تعلن الحقائق بعد، تُرى هل يعرف المسؤولون من فجّرها؟
لم يكن من المفترض بالإعلامية مي شدياق أن ترد على كلام الرئيس الأسد لقناة "المنار"، ذلك أن الرد كان يجب أن يأتي على لسان المسؤولين إياهم، إلا أنهم آثروا الصمت، فإعلان الرئيس الأسد أن لسوريا في لبنان حلفاء، يعني حكماً تصنيف اللبنانيين بين حليف وطني وخصم "عميل"، فيما القاعدة تفترض أن الدول تتحالف فيما بينها أو تتخاصم، والأصول أيضاً تفترض ألا يصنف رئيس دولة ما شعب دولة أخرى.
يقول الرئيس السوري إن بعض الأطراف لم يحققوا شيئاً في السنوات الخمس الماضية، وأنهم أدخلوا لبنان في متاهات، مستفيداً مرة جديدة من صمت المسؤولين، ومتناسياً أن تلك الأطراف إنما تمثل الأكثرية البرلمانية التي أختارها اللبنانييون على دورتين متتاليتين وبالتالي فإن من واجبه احترام إرادة اللبنانيين وخياراتهم، ذلك أن العلاقات التي يبنيها مع حكومة الرئيس الحريري لم تكن ممكنة لولا انتصار قوى "14 آذار" في الإنتخابات الأخيرة وتكليفها الحريري رئاسة الحكومة.
أما قول الرئيس الأسد إن سوريا لا تمنح ورقة لا تمتلكها، بالإشارة إلى مزارع شبعا، لا ينفع معه اعتناق الصمت، ذلك أن المسؤولين مطالبون، كما "حلفاء سوريا"، بإعطاء التوضيحات اللازمة للبنانيين الذين يستمرون وحدهم بتقديم التضحيات عن كافة العرب وذلك بحجة استعادة المزارع، تلك التي قال عنها الرئيس الأسد "أنها بحاجة لإجراءات قانونية لتحديد ملكيتها، أكانت سورية أم لبنانية، ومن ثم يتم ترسيم الحدود"، وذلك يعني أن لبنان سيستمر بدفع الأثمان المكلفة في مواجهة إسرائيل بهدف استرجاع مزارع شبعا التي لم تحسم ملكيتها بعد.
أين هم المسؤولون؟ أين هم "حلفاء سوريا"؟ أولئك الذين ما فتئوا يؤكدون لبنانية المزارع ويخونون من يطالبهم بالسعي لتحديد ملكيتها، وذلك عبر توقيع اتفاق بين الحكومتين اللبنانية والسورية، أين هو الرئيس بري الذي أتحفنا مراراً بنظريته حول ملكية المزارع: "إذا كانت شبعا لبنانية، فمزارعها ماذا تكون؟".
وحدها مي اختارت اختراق جدار الصمت الأسود، وأبت أن تكون من بين المصفقين، وصرخت "لم أعد قادرة"، ومعك يا مي نكرر ما كتبته يدك المبتورة:
"حاصرتمونا لم نستسلم
عطّلتُم حياتَنا وبقينا نقاوم
أيُّ مسٍّ بانتصاراتٍ حققناها بدماء شهدائنا سنمنع
واللهِ العظيمِ مهما حاولتم إحباطَنا لن نركع".
