من دون مبالغة أقول إن مشهد البيال يوم السبت الماضي حمل أكثر من علامة فارقة، في الشكل وكذلك في المضمون. ولعلّ الأبرز كان مشهدية التنظيم الذي بات واضحا أنّ القواتيين يبرعون به ويتقنونه بشكل مهني ومحترف. وسريعا ألِج الى صلب الموضوع لأعبر الى الرسالة التي خرج منها هذا المهرجان وبقوة لدرجة أنها صدمت الأبعدين كما الأقربين. ولعلّ الصدمة الأبرز جاءت في مضمون خطاب سمير جعجع المتنوّر والواعد والزاخر بمفاهيم واضح أنها تؤسس لمستقبل عنوانه الأساسي الوحدة اللبنانية، انطلاقا من ركيزة مقدّسة سارت وتسير عليها منهجية حركة "14 آذار" ومن ضمنها "القوات اللبنانية"، وأعني الارتباط العضوي المسيحي ـ الاسلامي. وقد كان الحضور السنّي النخبوي دليلا على قرار الرئيس سعد الحريري بأنّ اليمين الذي أقسمه في البريستول عشية ذكرى 14 شباط بات ثابتًا وهو يتقدّم باتجاه التطبيق العملي للتأكيد على هذه القناعة التي بات واضحا أنها لن تتأذّى ولن تتأثّر بكلّ الصراخ الذي نسمعه تارة من سوريا وطورا من الرابية، وهذا سيدفع ببعض المجانين أصحاب السوابق أن يجنحوا أكثر باتجاه التخريب السياسي كما تعوّدوا وعودّوا الناس على أساليبهم الغوغائية.
وما يلفتني اخيراً الحالة الانتظارية التي يمارسها رجال سوريا في لبنان والتي باتت مرادفاً لردات فعل هؤلاء، وعليه فانهم ينتظرون سمير جعجع عند كلّ محطة للتهجم وإطلاق الاتهامات ونبش القبور والاوتوسترادات واختراع ملفات وفبركة صوَر مزورة مركبة، وأبرع رجالات سوريا في هذه الفنون نائب كسروان ميشال عون الذي يذكرّني أحيانًا بعجوز في ضيعتي كان يهوى المشاركة بدفن الموتى ليحمل "بساط الرحمة"… وواضح أنّ عون قارب هذه المرحلة لكونه يهوى هذه الهواية، وأخيراً أصبح من محترفيها.
واذا أردنا أن نعرف ما اذا كان مهرجان البيال حقق نتائجه المرجوة وأصاب الهدف الحقيقي، فانّ الجواب أهدانا إيّاه نائب كسروان ميشال عون الذي أطلّ من رابيته مساء الثلاثاء ليتحف اللبنانيين بمزيد من حفلات المسلسل العوني الطويل الذي بدأ منذ الثمانينات وهو مستمر بنجاح باهر والذي يحمل عنوان: "أنا أكره سمير جعجع فمن ينقذني منه".
فعلاً أنا أحسد "الحكيم" على ما يناله من حملات وحروب وانفعالات عونية، والأغرب أنّ سمير جعجع يسير بالقافلة وعون يصرخ، والأغرب أكثر وأكثر أنّ عقدة عون المزمنة لم يلقَ لها دواء، فغير منطقي أن لا يُشفى شخص من عقدة تلازمه منذ يفاعته وحتى كهوله، ولكن لا بدّ من تشريح حفلة عون الأخيرة مساء الثلاثاء 30 آذار 2010 لنوضح ما يلي:
أولا": يـقول عون "لأول مرة اسمع ان أحداً يحتفل بعيد حله وليس بعيد إنشائه ومولده"
فعلاً باتت حالة عون تدعو الى الشفقة لدرجة تخبطه نتيجة خجل ماضيه من حاضره، وهو يرى، ويشاهد، ويسمع، ويراقب، نمو "القوات اللبنانية" وتقدّمها وهذا أكثر ما يقلق الرجل ويجعله يفقد راحة البال ويحرمه النوم الهانىء، كيف تحتفل "القوات اللبنانية" بذكرى حلّها؟ وهذا يقصد به ما هو محروم منه، أي فرحة النضال، نعم هذا الرجل لم يتعب، فكيف بامكانه أن يعرف معنى التعب؟! هذا الرجل لم يحاول أحد إلغاءه ولا محاربته ولا شطبه ولا محاولة اغتياله، وكما أنه لم يذق طعم الشهادة فلا يفقه معنى تذكّر الشهداء وإحياء ذكراهم، لذلك قامت قيامته على "القوات" مستهجنًا كيف يحيون هذه الذكرى، وهو الفاقد لأيّ ذكرى قد يحييها حيث ألغى كلّ الذكريات ومنها على الأخص ذكرى 13 تشرين.
ثانيًا: يقول عون "هناك مأخذ وهو حضور الحكومة الرسمي الذي يعني نقض جميع الأحكام القضائية التي صدرت بحق المحتفى به"
فعلا، ودعوني اقولها على الطريقة اللبنانية " تقلِت حالتو لصاحبنا"… هو نفسه ميشال عون قال عبر عشرات التصاريح والمواقف من باريس أن محاكمات جعجع سياسية…
ولكن نتخطى هذه المسألة وصولاً الى إنزعاجه من الحضور الرسمي، وكأنه بنا يريد القول: :لا تأتوا الى "القوات" لا تشاركوها بأي احتفال. وكأنه يريد لـ"القوات" ويتمنى لها أن لا تكون حزبا سياسيا يتعاطى الشأن العام ويتحالف ويكون له كتلة نيابية ووزراء داخل الحكومة. ميشال عون -واسمعوا جيدا وافهموا ما أقوله – يريد "القوات" بالصورة والكذبة التي روّجها عليها، يريد "القوات" كما هو يرغب ويطمح ويحلم ان تكون تماما كما فعل إبّان الحرب الضروس التي شنّها عليها بحجة أن "لا سلاح الاّ مع الجيش اللبناني"، "ولِكْ خلُصنا بقا من هالفيلم الطويل".
ثالثاً: ميشال عون يتصالح مع القرود السود ولا يتصالح مع "القوات" وهذا سببه:
ألم يسأل مناصرو عون، ألم يطرحوا على أنفسهم سؤال: لماذا تصالحنا مع الجميع وممنوع ان نتقارب أو نتصالح مع "القوات اللبنانية"؟
فعون تصالح وتعانق وتحالف وتعاضد وتآزر وتغدّى وتعشّى وتمشّى مع حزب "البعث" بفرعيه في سوريا ولبنان والحزب "السوري القومي" و"رابطة الشغيلة" و"التنظيم الشعبي" و"الشيوعي" و"المردة" و"امل" و"حزب الله" و"الاشتراكي" ولم يبقِ حظيرة أو منظمة أو حزب إلاّ وحالفه، باستثناء "القوات اللبنانية"، وهنا تتضح القصة كاملة مع هذا الرجل، كلّ هؤلاء يحملون لواء سوريا في لبنان، بعكس "القوات اللبنانية"، فكيف تريدونه ان يتصالح معها وهو يحمل لواء إلغائها منذ عشرات السنين؟
ولكن نصيحة في هذا المجال وأسديها للرجل مجانا: حرام عليك أن تورث الأجيال التي تخرّجها من صفوفك هذا الكمّ من الحقد لأنك بذلك تكون تشفي غليلك ولكن تؤذي لبنان، لذا أدعوك أن تختم مسيرتك ولوْ بخطوة إيجابية دعْ الناس يتصالحون ولا تباعد فيما بينهم.
ولأنّ ما خطب به سمير جعجع في البيال كان بمثابة إحراج لفريق سوريا في لبنان لدرجة أنهم لم يناقشوا مضمون الخطاب بل اتجهوا الى رفض المهرجان برّمته، ولكون الحضور النوعي والتنظيم والحركة السياسية التي أعطاها جعجع البعد اللبناني والعربي وصولاً الى ملامسة القضية الفلسطينية أيضا أزعجت لا بل أقلقت هؤلاء وفي مقدمهم عون الذي أساسا يعاني من عقدة إسمها سمير جعجع، لم يتمكن عون هذا من لجم نفسه ومنع لسانه من إطلاق ما أطلقه من رابيته، لنسمع أجراس الحزن تقرع معلنةً حقيقة ما انتابهم من خوف وتخبّط وهيجان سياسي، بخاصة وان عون لم يعد يجرؤ على إقامة أي إحتفالية جماهيرية لكونه يعلم تماما أنه لم يعد بمقدوره إحياء مثل هكذا مهرجانات شعبية.
وعلى أمل أن تعود أجراس الرابية تقرع فرحًا !!