الإنتخابات البلدية بين سندان التأجيل والتزام المواعيد
بري وبارود يلتقيان على التأجيل ويختلفان على من يبادر الى اتخاذ القرار
<كان الجدال حول مصير الإنتخابات البلدية قد بدأ فعلياً مع إحالة مشروع القانون الإصلاحي المقدّم من وزير الداخلية الى مجلس الوزراء>
كلما اقتربت البلاد يوماً من الاستحقاق البلدي ازداد الالتباس والغموض حول مصير الانتخابات، وكأن هناك كلمة سر معمّمة على كل القوى السياسية بالتأجيل، لأن فيه مصلحة لهم جميعاً، بمعزل عن مصالح الناس الذين ينتظرون هذا الاستحقاق لإحداث عملية تغيير وتفعيل في القرى والبلدات والمدن من خلال ممارسة حقهم الديمقراطي لتداول السلطة·
ذلك لأن الانتخابات البلدية، بصرف النظر عن القانون النافذ أكان صالحاً أم أنه بحاجة الى إصلاحات تطلبها طبيعة العمل البلدي ومسؤوليات المجالس البلدية في التنمية المناطقية، لا تقل أهمية عن الانتخابات النيابية التي تجري كل أربع سنوات لتجديد الحياة السياسية، والحفاظ على مبدأ تداول السلطة الذي يشكّل عماد النظام الديمقراطي وبالتالي فإن الحفاظ على هذا المبدأ أمر ضروري وموجب يحتّمه انتظام الحياة الديمقراطية، وتنص عليه القوانين والدساتير·
وكان الجدال حول مصير هذه الانتخابات بدأ فعلياً مع إحالة مشروع القانون الاصلاحي المقدم من وزير الداخلية الى مجلس الوزراء وارتفعت حرارة هذا الجدال بين القوى السياسية عندما بدأ مجلس الوزراء بدرسه في جلسات خُصّصت لهذه الغاية·
وطغا في حينه على هذا الجدال، إمكانية لجوء مجلس الوزراء الى التأجيل بسبب تعثّر النقاش داخل مجلس الوزراء حوله، وحول الاصلاحات التي تضمّنها، وقد ساهم في ترجيح التأجيل أن إقرار المشروع في مجلس الوزراء استغرق أكثر من سبع جلسات بين أخد وردّ وحذف وإضافات الى أن انتهى على الشكل الذي أُحيل به الى المجلس النيابي·
وقيل في حينه أن الحكومة رمت كرة التأجيل في مرمى مجلس النواب، لأنها لا تستطيع أن تتحمّل المسؤولية تجاه اللبنانيين الذين يتوقون لهذا الاستحقاق، لكن رئيسي الجمهورية والحكومة سارعا الى نفي التهمة والتأكيد على التزامهما مع الحكومة بإجراء الانتخابات البلدية في موعدها وفق الاصلاحات في حال أقرّها مجلس النواب ووفق القانون النافذ في حال تعذّر على الكتل النيابية إقرار الاصلاحات·
وجاء الردّ على هذه المقولة سريعاً من عدة كتل نيابية يتهم مباشرة حكومة الشراكة الوطنية أو بعضها بأنها لا تريد الانتخابات أن تجري في موعدها، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتحمّل مسؤولية التأجيل، فرمت بالكرة الى المجلس النيابي، وأوعزت الى كتلها بالعمل على عرقلة إقرار الاصلاحات، بذريعة أنها لا تتناسب مع التركيبة القروية والعائلية·
وهذا ما بدا واضحاً بعد الاجتماع الذي عقده أمس رئيس مجلس النواب لرؤساء اللجان وهيئة مكتب المجلس وانتهى الى زيادة نسبة الغموض حول مصير الاستحقاق البلدي، ذلك أن الرئيس بري أحال المشروع الى اللجان المشتركة وأوكل الى نائبه مهمة متابعة هذا الملف، وهو يُعطي بذلك إشارة واضحة الى أن مجلس النواب سيأخذ وقته في درس المشروع المحال من الحكومة، حتى ولو تأخر ذلك الى ما بعد الموعد المحدد لإجراء الانتخابات البلدية، وبمعنى أوضح فإن الرئيس بري وبالإجراء الذي اتخذه وضع حدّاً للغط الدائر منذ فتح باب الانتخابات البلدية حول دوره في تأجيل هذه الانتخابات والتستر وراء الهيئة العامة لتحقيق هذا الهدف·
والملاحظ أن وزير الداخلية زياد بارود بدا بعد القرار الذي اتخذه رئيس المجلس مربكاً ومتردداً في مسألة حسم موعد الاستحقاق البلدي حيث أعلن بعد مقابلته للبطريرك صفير أنه وجّه الدعوة الى الهيئات الناخبة وفق ما ينص عليه القانون النافذ والتزاماً بالمهل، لكنه لا يستطيع أن يجزم إذا كانت الانتخابات ستجري في موعدها أم أنه سيتم تأجيلها بقانون يصدر عن مجلس النواب، ما يعني أن كلام الوزير بارود فتح الباب أمام التأجيل، لكنه يُبعد هذا الكأس عن الحكومة ويحمّله الى المجلس النيابي الذي عليه حسب رأيه أن يقرّ اقتراحاً نيابياً بالتأجيل مع الأسباب الموجبة لذلك·
ومع أن الوزير بارود لا يرى أن ثمة إمكانية في إقناع أحد بالأسباب الموجبة لكنه لم يُسقط احتمال قبول الحكومة به في حال صدر عن المجلس النيابي وتبيّن أن هناك إجماعاً عليه من كل الكتل النيابية·
غير أن كلام الرئيس بري بعد اجتماع رؤساء اللجان لا يوحي بأن هناك نيّة لديه لدفع النواب الى التقدّم باقتراح قانون بتأجيل الانتخابات، بقدر ما يشير في كلامه الى أن مسؤولية التأجيل تقع على عاتق الحكومة وعليها أن تقدم على هذه الخطوة وتتحمّل وحدها مسؤولية التأجيل·