هبوني عيداً يجعل العرب أمة
وسيروا بجثماني على دين برهم
سلام على كفر يوحد بيننا
وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
(الشاعر القروي)
"قد يكون من السهل تصيد الأخطاء لأنها غالباً ما تكون ظاهرة للعيان أما الحقيقة فلا يعرفها إلا القلة من الناس"
(مصطفى علوش)
القومية العربية:
لم تكن الفكرة القومية مسألة واضحة عند العرب. فقد كان مفهوم الأمة السائد بعد قيام الاسلام هو القوم الذين يجمعهم الدين الاسلامي العابر للحدود والأتنيات وحتى الأجناس. وقد تكون بداية احتكاك العالم العربي مع الفكر القومي من خلال حملة "بونابارت" على مصر في أوائل القرن التاسع عشر، وقد حاول محمد علي باشا التأسيس لقومية مصرية من خلال شخصيات أمثال الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي حاول ان يطرح أفكاراً عن المواطنية بعد تجربته العيش في باريس في بعثة رسمية.
لكن ولادة فكرة العروبة كانت في أواسط القرن التاسع عشر في لبنان على يد المعلمين بطرس البستاني وناصيف اليازجي اللذين اعتبرا اللغة العربية الركن الأهم في جميع شعوب المنطقة في مواجهة حملات التتريك التي كانت تحاول فرضها الحكومات العثمانية في ذلك الوقت. وقد تأسست جمعيات أدبية وخلايا في بيروت ودمشق منها "الجمعية السورية" أسسها بطرس البستاني وناصيف اليازجي سنة 1847 و"الجمعية العربية السرية" سنة 1875 و"جمعية حقوق المملكة العربية" سنة 1881 وهي كانت تهدف الى وحدة المسلمين والمسيحيين و"جمعية رابطة الوطن العربي" اسسها نجيب عازوري سنة 1904 في باريس وألف كتاب "يقظة العرب". و"جمعية الوطن العربي" ظهرت سنة 1905 أسسها خيرالله الذي نشر كتاب الحركة الوطنية العربية.
ومن بعدها ظهرت جمعيات أخرى منها "الجمعية القحطانية" وجمعية "العربية الفتاة" و"الكتلة النيابية العربية" و"حزب اللامركزية" و"المؤتمر العربي" في باريس و"حزب المعهد" و"جمعية العلم الأخضر" و"جمعية العلم" وكلها ظهرت بين 1910 و1914.
ومن الواضح والمعروف أن رواد هذه الحركة بأكثريتهم كانوا من المسيحيين المشرقيين الذين كانوا يسعون الى بناء قواسم مشتركة مع محيطهم المسلم حتى يتمكنوا من ارساء شراكة غير مرتبطة بعوامل الدين التي غالباً ما كانت تشكل عوامل تصنيف وتفرقة بين عامة الناس، في حين أن فكرة المواطنة أو الانتماء القومي غير الطائفي كانت ستشكل عاملاً جامعاً لكل الطوائف التي شكلت وتشكل موزاييك الشرق الأوسط.
ولم تأخذ هذه الفكرة بعداً عند بعض المسلمين الا بعد قيام الحرب العالمية الأولى ومن خلالها الثورة العربية التي انطلقت بدعم وتشجيع بريطاني وكانت تهدف الى جمع شمل العرب تحت راية مملكة توحدهم، والتي أجهضتها اتفاقية "سايكس بيكو" المعروفة، والتي قسمت العالم العربي كما هو معروف.
ومع ذلك فقد بقيت الأوساط الاسلامية الأصولية تعتبر ان هذه الحركة القومية مؤامرة على الأمة الاسلامية لأنها تعتمد مبادئ وعقائد وتشريعات مختلفة عن الأصولية الاسلامية وتعتبر رابطة اللغة والجنس أهم من رابطة الدين.
وقد اعتبرها الكثيرون صدى للدعوات القومية التي ظهرت في أوروبا مما يعني غزوها للعالم الاسلامي نوعاً من الغزو الفكري.
كما ان الشيخ ابن باز اعتبرها: "دعوة جاهلية إلحادية تهدف الى محاربة الاسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه، أحدثها الغربيون لمحاربة الاسلام والقضاء عليه بداره بزخرف من القول… فاعتنقها الكثير من العرب من أعداء الاسلام واغتر بها كثير من الأغمار ومن قلّدهم من الجهال وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسلام في كل مكان، فهي دعوة باطلة وخطأ عظيم ومكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد ساخر للإسلام وأهله". (نقد القومية العربية، عبد العزيز بن باز). في حين أن دعاة العروبة على اختلاف توجهاتهم كانوا يحلمون بوطن قائم على ما تجمعه اللغة والدم والتاريخ والأرض والآلام والآمال المشتركة، وهم يرون أن العرب أمة واحدة تعيش على أرض واحدة هي الوطن العربي الذي يجب أن تزول بين أقطاره الحدود فيصبح للعرب حكومة واحدة على أساس غير ديني.
ومن هنا انطلقت شعارات مثل الدين لله والوطن للجميع التي تدعو الى تغليب رابطة المواطنة على روابط الدين كما دعت الى تحرير الإنسان العربي من الخرافات والغيبيات والتعصب.
المفارقات:
ولكن في الوقت الذي أغرقت فيه الأصولية الإسلامية في عدائها للفكر القومي لدرجة أنها تعاونت في كثير من الأوقات مع الغرب لمحاربة التحركات السياسية القومية في العالم العربي في أواسط القرن العشرين ونعتت معتنقيها بالكفر، تحولت معظم الحركات القومية العربية في نفس الفترة الى احزاب متعصبة وشمولية. كما أن هذه الحركات حملت معها كل آفات الشمولية واتهمت كل من تسول له نفسه بطرح التساؤلات بالخيانة.
في نفس الفترة، ورغم تاريخ مثقل بحجم الدماء المهدورة على أساس الطبقة والدين والقومية، تمكنت أوروبا من كسر احتكارات الدين والقومية لتبني رابطاً ابتدأ مع المصالح الاقتصادية المشتركة وتواصل مع بناء ثقافة الديموقراطية وقبول الآخر.
لقد تمكن الأوروبيون من الوصول الى قناعات تجعل من المواطن مفتخراً ومتمسكاً ببلده وبأوروبيته في الوقت نفسه ولكن دون تعصب ودون عقائد تجعله ينعت من يخالفه الرأي بالخيانة.
التجربة اللبنانية:
لقد مر اللبنانيون على مدى القرن الماضي في مزيج من التجارب التي سبقت، مما أدخلهم في صراع دائم مع ذاتهم ومع شركائهم في الوطن. ولكن يوم الرابع عشر من آذار كان اليوم الفيصل الذي وضع حداً لهذا الصراع عند معظمهم بحيث أصبح المسلمون أكثر أصالة في لبنانيتهم مع حفاظهم على عروبتهم وأصبح المسيحيون أكثر قرباً من العروبة مع حفاظهم على لبنانيتهم وهذا بالذات هو أساس شعار لبنان أولاً الذي جمعهم من جديد في وطنية غير متعصبة ومنفتحة على عروبة حديثة تجمعها المبادئ الإنسانية والحرية وحقوق الإنسان وتجمعها أيضاً المصالح والآمال المشتركة، وبالتأكيد تجمعها قضية فلسطين.
وهذا بالذات ما سيحاول تجاهله الكثيرون من مدعي العروبة والدفاع عن فلسطين في الخطاب النوعي المتقدم الذي قدمه الدكتور سمير جعجع في كلمته الأخيرة في احتفال "القوات اللبنانية" التي جاء فيها: "الكل يعرف مدى ايماننا وتعلقنا بشعار لبنان أولاً. لكن لبنان أولاً لا يعني بأي حال من الأحوال لا تقوقعاً ولا انعزالاً، خصوصاً عن عالمنا العربي الأوسع.
إن نظرتنا نحن كقوات لبنانية للقضية الفلسطينية لا تنبع لا من الايديولوجيا ولا من الدين ولا من العرق، بل من شعور عميق واعٍ بالحق وبوقائع التاريخ والجغرافيا كما بالحقائق الإنسانية الكبرى.
ليس مقبولاً في القرن الحادي والعشرين أن يعيش شعب بأكمله مشتتاً بعيداً عن أرضه ودون دولة، من جهة أخرى لا نعتقد لحظة بأنه يمكن حل أي من مشاكل الشرق الأوسط قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة حرة".
لقد أتت هذه الكلمة في سياق الوعي الذي نشأ بعد الرابع عشر من آذار وتمكن لأول مرة من بناء نظرة لبنانية وطنية وإنسانية نحو العروبة ونحو فلسطين خارج إطار التعصب والتبعية والشمولية والمتاجرة بالقضية المقدسة وبشعبها.