على الرغم من التأكيدات المتكررة في اكثر من مناسبة ومن اكثر من قطب وزعيم ومسؤول في قوى "14 اذار" وثورة الارز لا تزال قوى وقيادات ورأي عام "8 اذار" يعيشون هاجس وتوجس وهلع ما نشر في "دير شبيغل " في ايار 2009 الماضي، وكأنه الشبح المحتوم المهيمن على خلفيات العقول والمخيلات – لدى قوى "8 اذار" – في حين تكاد تكون الحقائق والوقائع ابعد بكثير من هذه الهواجس لا بل نوبات الهلع التي يعبر عنها بين الحين والاخر مسؤول من هنا وزعيم من هناك من قوى وكتل الاقلية – بحيث يبدو مشهد "8 اذار" الاكثر تأثرا لا بل تصديقا لروايات "دير شبيغل " …
فالى هؤلاء نقول ونؤكد جملة من الملاحظات والحقائق الاتية:
اولا: فليطمئنوا لان المحكمة التي تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه هي محكمة دولية – لا محكمة محلية او محكمة نظام امني يركب ويفبرك الملفات والشهود ويسوق الناس ظلما وبهتانا الى سجون وزنازين التعذيب واقبية الظلمة والجحيم – والدليل على كونها محكمة دولية تحترم نفسها انها لم تقم باي عمليات حسابية في السياسة او الاستراتيجيا عندما قررت اخلاء الضباط الاربعة رغم انتماءات هؤلاء الضباط السياسية المعروفة. وبالتالي لا نفهم كيف رضيت قوى "8 اذار" يومها بقرار المحكمة الدولية ولم تفكر للحظة بان مثل هذا القرار هو الشهادة الدامغة على كونها غير مسيسة، لا بل على كونها محكمة على غير نسق المحاكم التي عرفناها في ازمنة مظلمة غابرة في لبنان.
بالتالي وبالتأكيد … غير نسق المحاكم المعتاد البعض من قوى 8 اذار على وجودها وعلى تمرسها في الظلم والاستبداد والارتجال والتسخير لغايات سياسية والتعدي على حقوق الانسان ومبادىء القانون والعمل القضائي النظيف والشريف والشفاف.
رهيب كيف اعتبرت يومها الاقلية اطلاق الضباط شهادة اعدام لصدقية المحكمة الدولية بدل ان تنحني امام القاضي الذي اصدر القرار بالتخلية لكونه اعطى الاشارة على عدم تسييس الملف والمحكمة والتحقيقات – في وقت انحنت قوى "14 اذار" من ابناء وحلفاء الرئيس الشهيد ورفاقه امام القرار من دون اثارة ضجة واعتبار القرار مسيس.
ثانيا: عندما نقول انها محكمة دولية فاننا نعني في الحقيقة جملة من الاعتبارات التي تجعل مجالات التسييس غير ممكنة ان لم نقل معدومة، بدءاً من قانون اجراءات المحاكمات امامها والذي صدق عليه باتفاقية مع الدولة اللبنانية تتضمن قواعد ونصوص واحكام فيها من الشفافاية العلمية والمهنية ما يمكّن اي طالب مبتدىء سنة اولى حقوق في اي كلية او جامعة من اكتشاف اي مخالفة او تجاوز او خروج عن قواعد المحاكمات العادلة. فضلا عن ان النصوص القانونية للعقوبات والموجودة في نصوص خاصة بالمحكمة الدولية تبيح للجميع تتبع منطق المحكمة وتفكير القضاة وكيفية بناء قناعاتهم والاسس التي بنيت عليها قناعاتهم …
يضاف الى ذلك مراقبة الرأي العام والعالمي والمحلي لاعمالها ونشاطاتها ونقل جلساتها علنا واصدار البيانات والنشرات الصحافية الدورية – وصولا الى اعتماد اللاساليب التكنولوجية الحديثة والمتطورة في التحقيقات كما حصل مؤخرا في بيروت في تصوير منطقة الانفجار وفق برنامج ثلاثي الابعاد – من دون ان ننسى ما استهلكته التحقيقات منذ خمس سنوات من محققين ( 5 محققين تعاقبوا وصولا الى بلمار المدعي العام الحالي) ومن فرق عمل ومحققين وعناصر بشرية وامكانات مادية ومالية وانظمة معلوماتية ومختبرات متطورة للتحاليل وسواها من امكانات طائلة هائلة تحاكي احدث اساليب التحقيق الدولية والتاريخية – فكلها اعتبارات وضمانات تشكل صمام امان ضد اي تسييس او انزلاق نحو توجهات غير مهنية بحتة.
فالمحكمة الدولية محكمة حق وقانون TRIBUNAL DE DROIT لا محكمة عرفية متخصصة في مطاردة وملاحقة وتنكيل واضطهاد فريق من اللبنانيين، قانونها اسكات الصوت المعارض للهيمنة والوصاية، وقوسها جزارين لا همّ لهم سوى تنفيذ تعليمات اجهزة الاقبية الامنية المظلمة ومطابخ المؤامرات المكلسة كلما تصلهم على اوراق الذل والطغيان.
انها محكمة دولية يا اخوان … فلا تخافوا منها … لانها تؤمن بحقوق الانسان واحقاق الحق على اساس القناعة العلمية والاثباتات والادلة والوئاثق والمستندات والتقارير والتحاليل واراء الاختصاصيين – لا على اساس "نقل ناقل عن سامع" او في احسن الاحوال على نظرية "الامر الناهي" كاسهل اسلوب واقله كلفة في تلبيس الاخرين تهما وجرائم اي منها محاكمات نورمبرغ الشهيرة.
ثالثا: المؤسف ان تصبح العدالة وجهة نظر لدى قوى "8 اذار"، لان مثل هذا التفكير يهدم اساس البشرية والنظام الكوني للانسانية. فنظرية الشك في كل شيء دحضها الفلاسفة الاكثر تشاؤما من "بلوتارك " الى "سبينوزا" – وبخاصة الشك بوجود حد ادنى من المصداقية في هذا العالم.
فاذا فقدنا الثقة في كل شيء، نصبح كبشر عاجزين عن الارتكاز الى معايير ومراجع وبحاجة لكل محكمة الى محكمة اعلى منها ولكل مرجع الى مرجع مواز اعلى منه واعلى من الاعلى … فتقع البشرية في دوامة الانحطاط والسقوط لان ما من شيء في هذا العالم صحيح وجيد وشفاف وما من عدالة او قضاء الا وهو مسيس وموجه… تماما الفكر التوتاليتاري اياه الذي نراه يبرر تربع الدكتاتوريين على عرش الحكم لاجيال واجيال بحجة عدم الايمان بالمؤسسات ولا بقيم الديمقراطية والحريات… عبثية يرى بعض اركان "8 اذار" تلاميذ متلمذين بنجاح بها من مدارس التوتاليتاريات العربية والاعجمية المجاورة…
فلا نفهم هذه النظرة لدى "حزب الله" مثلا في تكييف الالتزام بالعدالة بما يتناسب ومصلحته: فتكون عدالة مقبولة طالما حادت عنه وتصبح عدالة شيطانية ان اقتربت من احد منه. فهذه الاستنسابية في النظرة الى العدالة لا تعكس وعيا ونضجا حقيقيين لدى اناس اعتدنا على رصانتهم في مواقفهم رغم الاختلاف الكبير في السياسة معهم.
ولا نفهم كيف ان معيار تسييس المحكمة هو في عدم الاقتراب من تلك القوى او ذلك الحزب او تلك الجهة السياسية – فبقدر ما يكون قرار الظن بعيدا عن اتهام هذا الفريق – رغم توفر ادلة واثباتات دامغة وشفافة مثلا ولا سمح الله – يكون مباركا وعادلا ومقبولا. وبقدر ما يقترب من اتهامه يكون ملعونا رغم توافر الادلة والاثباتات لا سمح الله .
فكان "حزب الله" وحلفاؤه يشترطون مسبقا على القضاء الدولي عدم الاقتراب منهم وعدم التجرؤ على توجيه ولو استدعاء ضد احد من بينهم
– افليست هذه الممارسة وهذا التفكير عين التسييس ؟؟؟
لا نتمنى لا الآن ولا فيما بعد ان توجه اي اتهامات قضائية الى اي لبناني بغض النظر عن اختلافاتنا السياسية والعقائدية، ولا نزال نؤمن ونعتقد بان ما من شيء بان الى الان في هذا الاطار. ولكن، وعلى افتراض انه تبين للمحكمة الدولية ولفريق التحقيق ان ثمة من هو ضالع من اللبنانيين في الاغتيال بالادلة والاثباتات والشهود والتحاليل والتصوير والفحوص المخبرية وسواها من وسائل اثبات وادلة، فهل يستطيع عندها اي فريق واولهم "حزب الله" تحمل مسؤولية الوقوف في وجه القضاء الدولي لمنع تسليمه ومحاكمته ؟! طبعا لا نعتقد…
من هنا فاننا نرى ان من يسيس المحكمة والتحقيقات هي قوى "8 اذار" نفسها لضرب صورة التحقيق الدولي واسقاط صدقيته وشفافيته، وذلك بمجرد الكلام عن تسييس وتركيز الحملة على تسييس التحقيقات وتسريب المعلومات الى الاعلام والحديث عن موظفين لـ "14 اذار" في المحكمة ودوائر التحقيق الدولي – كما اشار السيد حسن نصرالله الاربعاء 31-3-2010 في مقابلته المتلفزة – فهذه الحملة فضلا عن انها تحاول التشويش على اعمال التحقيق الدولي تطرح اكثر من علامة استفهام حول الغاية الحقيقية من هذه الهجمة الاستباقية على المحكمة والتحقيق.
فطالما ان الجميع في قوى "8 اذار" مطمئن الى عدم تورطه في الجرائم التي تحقق فيها المحكمة الدولية، فاين المشكلة لدى تلك القوى ؟؟؟
فاذا كان الخوف من "دير شبيغل"، فان قوى "14 اذار" اجمعت على اهمال ما ذكر فيها… واذا كان الخوف من التسريبات فان قوى "14 اذار" اعلنت في اكثر من مرة عن عدم اخذها بما يقال ويسرب … واذا كان الخوف من جهات سياسية معينة، فلم نر منذ 2005 الى الان اي فريق لبناني يتهم فريقا لبنانيا اخر بالاغتيالات لا بل التهمة السياسية وجهت اساسا الى النظام السوري والاعوان الرسميين له اثناء عهد الوصاية …
واكثر من ذلك قالت قوى "14 اذار" ولا تزال تكرره يوميا إنها تقبل سلفا بحكم المحكمة – فالحقيقة مرادنا ولن نتنازل عن حقنا في معرفة الحقيقة …
لذلك اطمئنوا يا قوى "8 اذار"… انها محكمة دولية لا محكمة عرفية…
نعلم ان الكثيرين من بينكم تتلمذوا في الثانية… لكن اقبلوا بحقيقة ان في العالم عدالة اخرى… عدالة القانون والحق القانوني وحقوق الانسان والكرامة الانسانية: انها مصطلحات غريبة عن بعضكم نعرف ذلك …