خالجني شعور بالحيرة والإشمئزاز، عندما طالعت ملامح الإنتصار عند الفريق الأخر وأبواقه. يعتقدون، يراهنون ويؤكدون أن التوافق العربي، الإقليمي والدولي على العراق، هو مقدمة لتشريع عودة النفوذ والدور السوري إلى سابق عهده.
التسليم والتسلّم أصبح معادلة وفرضية نهائية للآخرين، وكأن لا حول ولا قوة لنا فيها. "المفوضية" الإيرانية السورية، أبلغت، أو ربما أوحت "بالنصر الإلهي" في التعرفة او في العِرف المحلي. المقصود بكل بساطة، تعرفة إقليمية ودولية حُددت سابقا، والعرف حدد لاحقا والآتي قريب.
كل حنون ورؤوف ومتلطي وراء متاريس 8 آذار، يشعر بالفخر والإعتزاز ونشوة الإنتصار السوري المستعادة "أمجاده" في كل لبنان صيغة، شعبا، ومضمونا.
لن أكون براغماتيا أو حالما أو حتى مثاليا. فلنُرجع سويا إلى التاريخ القريب. تسوية الحرب اللبنانية أفضت إلى الطائف، والطائف أدى إلى غطاء دولي جعل من لبنان مسرحا سوريا بإمتياز. وللتذكير فقط، الجيش السوري كان موجودا عتادا وعتيدا، وكذلك المخابرات السورية واللبنانية وعلى رأسها آل كابون وأعوانه، نكّلت وعذّبت، ومارست الترهيب الفكري وإلاقتصادي، واعتمدت معادلة إغراق الأمن ورجاله مقابل التبعية. كل ذلك لم يكن رادعا كافيا لنا. أجل دخل "الحكيم في زنزانة"، ورُحّل من رُحّل، ورَحل من رَحل، ولم نكن استسلاميين أو إنهزاميين أو تجارا للهيكل وعباده.
لست موهوما بأي قدرة عسكرية أو دولية أو حسابية بالمعنى العلمي للكلمة. لكني أعرف مخابىء السياسة الدولية ولاعيبها وألعابها. وبكل ثقة واعتزاز أيضا، أعرف أن لبنان هو أعلى القمم، إن في رجالاته عبر التاريخ، وإن عبر مقاومته للعثمانيين ، والإنتداب الفرنسي، والناصرية، والشيوعية، والدولة الفلسطينية البديلة وسوريا بالتاكيد. أدرك هفواتنا وأخطائنا، لكنني أدرك أيضا أننا استقينا الدروس وتعلمنا منها. لا يستطيع الآخر أيا يكن، أن ينكر مقاوماتنا ونجاحاتنا.
لن يكون الغد القريب إلا شاهدا آخر، على شكل ومضمون ومستقبل مقاومة ديمقراطية، سلمية، نظامية، وخير الأفعال ما قل ودّل، والحاضر يعلِم الغايب، أن لبنان أعلى القمم كان وسيبقى إلى ألابد .