#adsense

قمة سرت: رفض خيارات “حزب الله” و”حماس”

حجم الخط

قمة سرت: رفض خيارات "حزب الله" و"حماس"
لبنان دولة مواجهة وسوريا دولة مساندة

وصف مسؤول عربي كبير القمة العربية الثانية والعشرين التي انعقدت في مدينة سرت الليبية يومي 27 و28 آذار الماضي بانها "قمة التواضع العربي" إذ إنها كشفت أن المسؤولين العرب قادرون على النقد الذاتي والمصارحة أحياناً لكنهم ليسوا قادرين على تأمين الإمكانات والوسائل اللازمة لإستعادة الأرض المحتلة والحقوق المغتصبة وليسوا قادرين على تجاوز خلافاتهم جدياً من أجل تحقيق المصالحة الفلسطينية لتعزيز صمود الفلسطينيين وتقوية موقفهم التفاوضي ومن أجل تحقيق المصالحة العربية الضرورية التي تتطلّب التراجع عن الممارسات الخاطئة والتخلي عن المصالح الذاتية والحسابات الضيقة. وأثبتت قمة سرت أن المسؤولين العرب ليسوا قادرين على التفاهم على إستراتيجية موحدة جدية وفاعلة وقابلة للتطبيق للتأثير جدياً على إسرائيل أو على إيران أوعلى الدول الكبرى من أجل تأمين المصالح الحيوية العربية المشروعة وحماية المنطقة أوبعض دولها من أخطار وتهديدات حقيقية مختلفة قد تتعرض لها في المرحلة المقبلة.

وأفادت مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الإطلاع في باريس أن التقارير التي تلقتها جهات ديبلوماسية أميركية وأوروبية معنية بالأمر عما جرى في إجتماعات القمة العربية وفي المشاورات والإتصالات بين عدد من الزعماء والمسؤولين العرب في سرت، شددت على المسائل والنقاط الآتية:

أولاً: بدا واضحاً أن الدول العربية المعتدلة والواقعية تشكل الغالبية العظمى وانها هي التي توجه مسار الأحداث وتحدد توجهات القمة الأساسية، وأن الدول الممانعة والمتشددة أقلية صغيرة محدودة التأثير وليست قادرة فعلاً على دفع القمة الى اتخاذ أي قرار مهم ينسجم مع تصوراتها وسياساتها وأهدافها.

ثانياً: إن الغالبية العظمى من الدول العربية ترفض فعلاً تقديم أي نوع من الدعم المادي والعسكري والسياسي للمقاومة المسلحة اللبنانية التي يعتمدها "حزب الله" أو للمقاومة الفلسطينية التي تعتمدها "حماس" وتنظيمات أخرى مرتبطة بالمحور السوري – الإيراني، كما ترفض تأمين تغطية عربية رسمية وشرعية للخيار العسكري في التعامل مع إسرائيل لأنها ليست راغبة في التضحية بخيار السلام ولأنها على اقتناع بأن قدرات هذه المقاومة اللبنانية والفلسطينية محدودة جداً وانها لن تستطيع وحدها تحرير أي أرض محتلة أو إستعادة حقوق مغتصبة ما دامت دول أخرى لا تشاركها في المواجهة المسلحة. وترفض هذه الدول دعم "حزب الله" على حساب الدولة اللبنانية وسلطتها الشرعية، كما ترفض دعم "حماس" على حساب السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي تؤيد دعم صمود لبنان وفلسطين وتعزيز قدراتهما الدفاعية وترفض دعم أي طرف يعطي ذرائع لإسرائيل لإشعال الحرب في هذه الساحة أوتلك. وعلى أساس هذه الإقتناعات اتفق الزعماء والمسؤولون العرب في قمة سرت على أن السلام العادل والشامل هو خيارهم الإستراتيجي وقرروا مساندة جهود إدارة الرئيس باراك أوباما وباقي الجهود الدولية لتأمين إنطلاق المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية شرط وقف الإستيطان الإسرائيلي واستجابة حكومة بنيامين نتنياهو لمتطلبات السلام، كما اتخذوا مجموعة قرارات وإجراءات سياسية وديبلوماسية ومادية لدعم القدس الشرقية وأهلها منها تخصيص 500 مليون دولار لها والعمل على وقف النشاطات والممارسات الإسرائيلية الهادفة الى تغيير الوضع القانوني لهذه المدينة المحتلة، والتمسك بها عاصمة لدولة فلسطين.

الفارق بين تركيا وإيران

ثالثاً: أحبطت دول عربية بارزة عشية إنعقاد قمة سرت مساعي بذلتها دولتان عربيتان بالتنسيق مع إيران من أجل سحب مبادرة السلام العربية أو تجميد العمل بها بسبب وصول عملية السلام الى طريق مسدود في هذه المرحلة. وأكدت الغالبية العظمى من الدول العربية في القمة ضرورة مواصلة التمسك بمبادرة السلام العربية والتحذير من انها لن تبقى على الطاولة الى الأبد، من جهة لأن هذه المبادرة تستند الى الشرعية الدولية ومبادئها ومرجعياتها وأصبحت جزءاً من قرارات مجلس الأمن ومن مطالب المجتمع الدولي ولأنها تدفع الدول الكبرى الى مواصلة جهودها لتحقيق السلام ولوبصعوبة وتشجعها على الضغط على الإسرائيليين، ومن جهة ثانية لأن التمسك بهذه المبادرة يحرج إسرائيل التي تفضل تخلي العرب عنها وعن خيار السلام لتواصل احتلالها الأراضي العربية، ومن جهة ثالثة لأن الدول العربية ليست مستعدة للحرب أو راغبة فيها ولأن خيار اللاحرب واللاسلم ليس لمصلحة العرب.

رابعاً: بدا واضحاً في قمة سرت أن الغالبية العظمى من الدول العربية ترفض دعم مشروع "حماس" الإنقلابي الإنفصالي في قطاع غزة وهو مشروع يلقى مساندة من سوريا وإيران، كما بدا واضحاً أن هذه الدول تدعم شرعية الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومنهجه وتوجهاته لتأمين المطالب الفلسطينية المشروعة وتؤيد تحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء سيطرة "حماس" على غزة من أجل إعادة توحيد الأرض الفلسطينية المحتلة وتعزيز الموقف الفلسطيني في التعامل مع إسرائيل والدول الكبرى. وفي هذا المجال أوضح لنا مسؤول عربي مطلع إن دولة عربية بارزة تدخلت لدى الرئيس بشار الأسد قبل بدء أعمال القمة لإقناعه بالتخلي عن فكرة دعوة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" الى القمة وهي فكرة أثارها الرئيس السوري مع الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي الذي أبلغه تأييده لها. وشددت هذه الدولة العربية في اتصالها مع الأسد على أن مشاركة مشعل في القمة ستعزز الإنقسام الفلسطيني وتضعف الجهود المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية وتوحي بوجود تأييد عربي لسيطرة "حماس" على غزة وتعرقل أعمال القمة وتنعكس سلباً على قراراتها. واستجاب الأسد والقذافي لهذا المطلب العربي ولم يدع مشعل الى سرت. كما أحبطت دول عربية بارزة اقتراحاً يقضي بتشكيل لجنة رباعية تضم السعودية ومصر وسوريا وقطر للعمل على تحقيق المصالحة الفلسطينية لأنها أدركت إن هدف هذا الإقتراح هو ضرب الدور المصري. وقد عارضته السعودية بشدة وأكدت تأييدها للجهود المصرية وطالبت الدول العربية بدعم هذه الجهود وهو ما أقرته ووافقت عليه قمة سرت.

خامساً: رفضت الغالبية العظمى من الدول العربية تأمين تغطية عربية رسمية لخطط إيران النووية التسلحية ولسياساتها الإقليمية الخطرة، ذلك انها عارضت إقتراحاً قدمه عمروموسى الأمين العام للجامعة العربية ودعمته سوريا وقطر يدعو الى إجراء حوار رسمي منتظم مع الجمهورية الاسلامية. وتمسكت الغالبية العظمى من الدول العربية برفض إجراء أي حوار رسمي منتظم مع إيران بسبب سياساتها المهددة للمصالح العربية الحيوية وبسبب تدخلاتها السلبية الخطرة في عدد من الدول أبرزها العراق ولبنان وفلسطين واليمن ومصر وبعض الدول الخليجية وبسبب رفض النظام الإيراني التفاوض مع الدول الست الكبرى من أجل التوصل الى حل سلمي للمشكلة النووية العالقة تطمئن المجموعة العربية والمجتمع الدولي الى أن الجمهورية الإسلامية لن تعمل على امتلاك السلاح النووي وتجر المنطقة الى مواجهة عسكرية مدمرة. وكما قال مسؤول عربي بارز لزعيم أوروبي: "إن الدول العربية عموماً تؤيد التحاور والتقارب الوثيق مع تركيا وتعزيز العلاقات معها في مختلف المجالات لأن القيادة التركية تعمل من أجل تحقيق الأمن والإستقرار والسلام في المنطقة وتمتنع عن التدخل سلباً في الشؤون العربية وتحترم المصالح العربية الحيوية وهي ليست راغبة في الهيمنة على المنطقة أو في فرض مطالبها وتصوراتها على دولها. أما إيران، فإنها تفعل عكس ذلك تماماً إذ انها تريد فرض مطالبها وشروطها على العرب وتأمين مصالحها على حساب المصالح العربية وتعمل على زعزعة الأمن والإستقرار وتفجير النزاعات في عدد من الساحات العربية. وفي الوقت الذي تتعاون تركيا مع السلطات الشرعية في الدول العربية فإن إيران تتعامل وتتعاون مع تنظيمات وقوى مسلحة معادية للسلطة الشرعية في عدد من الدول العربية. وعلى هذا الأساس رفضت قمة سرت تبني إقتراح عمرو موسى المتعلق بالحوار مع إيران".

رفض خياري "حزب الله" و"حماس"

ولكن ما هي الأسباب التي تدفع الغالبية العظمى من الدول العربية الى رفض تبني ودعم خياري "حزب الله" و"حماس" والتنظيمات المسلحة الأخرى المرتبطة بالمحور السوري – الإيراني؟ مسؤول عربي بارز أجاب صراحة عن هذا السؤال مركزاً على الأمور الآتية:

أولاً: إن الدول العربية المؤيدة لخيار المقاومة المسلحة، وهي أقلية صغيرة وعلى رأسها سوريا، لم تطرح هذا الموضوع جدياً خلال المشاورات التي جرت في قمة سرت أوقبل إنعقاد القمة ولم تقدم ورقة عمل أوخطة محددة مدروسة تتضمن إقتراحات وتصورات وأفكاراً عملية لاعتماد خيار المقاومة المسلحة أو الخيار العسكري في التعامل مع إسرائيل قابلة للتطبيق وتؤمن نتائج إيجابية ملموسة وتحقق ما عجزت عن تحقيقه جهود السلام. بل إن هذه الدول اكتفت برفع شعار تأييد المقاومة المسلحة.

ثانياً: إن نظام الأسد الداعم علناً مع إيران خيار المقاومة المسلحة على أساس انه الخيار الإستراتيجي الملائم للفلسطينيين والعرب في هذه المرحلة يتصرف في الواقع على أساس إن سوريا دولة مساندة للمقاومة وليست دولة المقاومة أودولة المواجهة العسكرية مع إسرائيل، إذ إن القيادة السورية ترفض منذ عام 1974 السماح بتنفيذ عمليات فدائية أو عسكرية ضد الإسرائيليين إنطلاقاً من جبهة الجولان وتتمسك باستعادة أرضها المحتلة من طريق المفاوضات والجهود الديبلوماسية وحدها. وفي المقابل، يريد نظام الأسد أن يكون لبنان وكذلك أرض فلسطين ساحتي المواجهة العربيتين الوحيدتين مع إسرائيل على رغم أن القدرات العسكرية اللبنانية والفلسطينية محدودة جداً بل ضئيلة بالمقارنة مع قدرات الدولة العبرية العسكرية الهائلة وأنها أضعف بكثير من قدرات سوريا الحربية والقتالية. وكما قال مسؤول عربي بارز: "ليس مقبولاً أن تكون سوريا القوية عسكرياً دولة مساندة وأن يكون لبنان دولة مواجهة مع إسرائيل. وليس مقبولاً عربياً أن يدفع لبنان وفلسطين وحدهما ثمن العجز العربي عن محاربة إسرائيل أوعن تأمين الإمكانات اللازمة لاستعادة الحقوق المغتصبة. والغالبية العظمى من الدول العربية على اقتناع تام بأن عمليات المقاومة المسلحة إنطلاقاً من لبنان وغزة لن تحرر أي أرض محتلة ولن تعزز الموقف التفاوضي الفلسطيني والعربي في ظل موازين القوى العسكرية القائمة مع إسرائيل، بل إنها ستعطي الحكومة الإسرائيلية ذرائع إضافية للتصلب أكثر فأكثر وللتملص من متطلبات السلام ومن الضغوط الدولية عليها، كما إنها ستظهر أن العرب عاجزون عن خوض حرب حقيقية مع الدولة العبرية وإنهم يكتفون بدفع الضعفاء منهم الى القتال نيابة عنهم".

ثالثاً: الغالبية العظمى من الدول العربية على اقتناع بأن التمسك بخيار السلام وبمبادرة السلام العربية، على رغم المصاعب والعقبات، والعمل سياسياً وديبلوماسياً على تأمين الدعم الأميركي والدولي للمطالب الفلسطينية والعربية المشروعة، أفضل بكثير من تفجير حروب صغيرة مع إسرائيل محدودة التأثير تلحق الدمار والخراب بلبنان وفلسطين من غير أن تؤمن أياً من المطالب والحقوق الفلسطينية واللبنانية والعربية المشروعة. ذلك إن التخلي عملياً ومن خلال الممارسة عن خيار السلام والإكتفاء بالمقاومة المسلحة اللبنانية والفلسطينية من دون فتح جبهات عربية أخرى يخدمان في الواقع مخططات حكومة بنيامين نتنياهو التي ستستغل هذا الموقف العربي الضعيف العاجز عن شن حرب حقيقية، فترفض الاستجابة للجهود الديبلوماسية الأميركية والدولية وتعمل لتوسيع نطاق البناء الإستيطاني في الضفة الغربية والقدس والجولان والتعامل بعدوانية متزايدة مع الفلسطينيين ومع جهات عربية أخرى من دون أن يتمكن العرب من أن يفعلوا شيئاً ضد الدولة العبرية. وفي المقابل، إن تمسك الدول العربية بخيار السلام يجب أن يشمل لبنان بحيث يكون هذا البلد فعلاً جزءاً من التوجه العربي العام لحل النزاع سلمياً مع إسرائيل، وهوما يتطلب التوقف عن التضحية به وخوض حروب بديلة من الحرب الحقيقية على أرضه خدمة لأهداف هذا الطرف الإقليمي أو ذاك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل