#adsense

آلام لبنان والقيامة وجائزة مي شدياق

حجم الخط

قبل أيام قليلة سألت زميلنا رئيس التحرير الأستاذ عوني الكعكي عن رأيه في كلمة مي شدياق في حفل القوات اللبنانية في البيال، فأبدى تحفظه على الكلمة، وأبديت إعجابي الشديد بها وبجرأتها وبصدقها، وتساءلت أمامه: "يبدو أن السياسة لم تُبقِ لنا "رجال" في هذا البلد إلا الدكتورة مي شدياق"…

بالأمس نقلت لنا وكالة الصحافة الفرنسية خبراً يعني لبنان أولاً، وكل صحافي لبناني ثانياً، والدولة "المفترضة" اللبنانية ثالثاً – وهذا الترتيب عن وعي وقصد وعمد – الخبر باختصار أعلن اختيار معهد الصحافة الدولي "الإعلامية" اللبنانية مي شدياق "بطلة حرية الصحافة في العالم" الرابعة والخمسين، ومي تستحق هذه الجائزة، ويليق بها الوسام الذي ستناله، وينطبق عليها هذا اللقب حرفياً، وستقلد "مي" وساماً من المعهد في أيلول المقبل (الشهر الذي شهد محاولة اغتيالها في العام 2005) خلال مؤتمر عالمي يحتفل فيه المعهد في فيينا وبراتيسلافا لمناسبة مرور ستين عاماً على تأسيسه.

يحتمل العالم "المتحضر" امرأة أولاً، وصحافية ثانياً، كزميلتنا مي شدياق، وفيما يعلن مدير معهد الصحافة الدولي "ديفيد دادج" في بيان له: "أن رفض مي شدياق بصفتها صحافية الرضوخ لتهديد العنف كاد يكلفها حياتها، لكنه جعلها تكسب إعجاب العالم بأسره لشجاعتها ومثابرتها"، ولكن لا تحتمل الدولة اللبنانية ولا تحترم هذه المرأة وتضحياتها، فقبل أيام قليلة "سكّت ركب" الدولة لكلمة قالتها مي شدياق!!

أي "ترتيب إلهي" اقتضى أن يأتي الرد سريعاً وعلى كل الذين ضاقوا ذرعاً بكلمة مي شدياق قبل أيام، وأقول "ترتيب إلهي" لأن الله سبحانه يقول في كتابه العزيز: {أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون} (الأنعام/46)، والعالم الغربي وفي هذه الأمور تحديداً ليس منافقاً ولا مرائياً ولا "يبخشش" الجوائز لمن لا يستحقونها، ولا يكرم إلا من يستحقون التكريم لجهودكم الشخصية، لا لقربهم من سلطة، ولا لأنهم مدججين بالواسطة ذاك الطقس العربي المعروف لنيل الجوائز، ولا يمنح أوسمته جوائز ترضية.. ونظن أيضاً أن مي شدياق لا تحتاج أصلاً إلى أوسمة ولا جوائز عالمية فوساميها تحملهما يومياً صليب الآلام وشجاعة ومحبة للبنان، ولم تطلب مقابل يدها ولا ساقها نيابة ولا وزارة ولا مناصب ولا تمسّكت حتى بشاشة التلفزيون عندما أدركت أن المطلوب تطويعها ومحاصرتها، بل "رشقت" وجوه جميع منافقي ادعاء الحرية بالطاولة على الهواء ومضت…

كمواطنة لبنانية، إن كان لي أن أتمنى أمراً في حفل تقليد مي شدياق وسام المعهد الدولي للصحافة تحت عنوان "بطلة حرية الصحافة في العالم" الرابعة والخمسين، فإنني أتمنى ومن كل قلبي وكرامتي المواطنية والصحافية أن يغيب أي ممثل للدولة "المفترضة" اللبنانية عن هذا الحفل، لا يحق لدولة لا تعترف بمواطنتها وحقها في التعبير أن تتمثل في حفل دولي تكرس فيه مواطنة لبنانية بطلة للعالم، ولا يليق بدولة تسحب صفة التمثيل الرسمي عمن يمثلها في حفل رسمي لأنها "خافت وارتعدت فرائصها من جرأة صوت مي شدياق"، هذا إذا تجاوزنا حقنا في التساؤل: "منذ متى كان "موظفو الدولة" العسكريون في أي دولة يحق لهم أن يحردوا وأن يأخذوا موقفاً سياسياً من كلمة مواطن، في دولة لا يحق لهم فيها حتى أن ينتخبوا"؟!

بالتأكيد لن يغيب لبنان عن هذا الحفل، لأنه السبب فيما أصاب مي، وأظن وبصدق أن الغائب الأكبر ستكون صحافة العالم العربي، وصحافة لبنان أيضاً، لأن تجربتها في الحرية يحدها عن يمينها الموت والشهادة وعن يسارها تحدها "تبعية المصلحة" التي نتواطأ على تسميتها "سياسة المؤسسة"!!

قد تكون الحرية وهماً كبيراً أيضاً في العالم المتقدم المتحضر على مستوى المؤسسات، فحيتان المال يحكمون السياسة والإعلام والاقتصاد وكل مفاصل الحياة، إلا أنها لحسن الحظ خيار إنساني فردي، هي خيار كرامة الإنسان وعدم إحناء رأسه، يختارها مطلق إنسان وهو مدرك أن سعر الحرية عال وغال جداً، وسعر "العبودية" أيضاً غال جداً وفي أدنى درك المذلة…

أن تكون مي شدياق "بطلة حرية الصحافة في العالم" فهذا شرف عظيم للصحافة اللبنانية، وفخر عظيم للبنان، وصفعة جميلة وقوية وقعت في الوقت المناسب على وجوه الذين استاؤوا من كلمة مي فسحبوا صفاتهم الرسمية "الموقتة" والتي لا "بطولة" فيها لأنها مكتسبة من المناصب لا من الأشخاص، وصفعة أيضاً لكل أدعياء الحرية في لبنان، الذين قبضوا ثمن الشهداء مناصب وكراس ووزارات وطالبوا بالثمن وعلى "عينك يا تاجر"!!

أما ماذا كان تعليق مي شدياق على خبر اختيارها البطلة الرابعة والخمسين لحرية الصحافة في العالم، فمن له قلب يعي ويعقل فليسمع: "لن أندم يوماً على قول ما أنا مقتنعة به، علي أن أكون صوت الذين غابوا، هذه باتت مهمتي، ولا يمكن أن يمنعني أي شيء بعد الآن من قول الحقيقة وما ينبغي أن يقال"… قولي يا مي صوت شهداء لبنان أنت، نحن ننتظر ما تقولين لأنك تقولين عنا، ومن شاء أن لا يسمع فلينسحب، ومن شاء رفع تمثيله الرسمي فليرفع، فهذا شرف مناصب موقت يزول بزوالها، أما البطولة والصدق والجرأة وكلمة الحق فتبقى إلى أبد الآبدين.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل