بعد معادلة الحريري «ما لقيصر لقيصر..» وظاهرة جعجع «العين تقاوم المخرز»
جنبلاط يحتسب خطواته .. حليف الاسد .. حامي المقاومة وباقٍ في الأكثرية
الإنضواء في محور الممانعة .. ذوبان يفقده الزعامة ولا يحتضن الطائفة
استنادا الى طبيعة «الزعيم الدرزي» فإنه من المرتقب ان تشهد الايام او الاسابيع المقبلة ترجمة عملية للعلاقة الجديدة بين الرئىس السوري الدكتور بشار الاسد وبين رئىس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط الذي لم يأت مؤتمره في الامس استكمالا لما كان اعلنه تحديدا في مؤتمر الحزب التقدمي الاشتراكي في الثاني من آب.
فمن الطبيعي ان تكون مواقف النائب جنبلاط اكثر حدة في معرض دفاعه عن القضايا التي يرفع شعارها محور الممانعة ولذلك سيكون النائب جنبلاط متلاحما اكثر مع كل من سوريا و«حزب الله» حيال المواقف من سياسة الولايات المتحدة الاميركية تجاه المنطقة.
لكن النائب جنبلاط جاء استكمالا لما كان اعلنه من خـلال فضائىة «الجزيرة» حيال القضايا العربية والقومية وهو عاد من سوريا كما كان يأمل حليفا لرئيسها الدكتور بشار الاسد في الصراع العربي – الاسرائيلي بحيث ستحدد اللقاءات اللاحقة عناوين المحطات المفصلية وموقفه منها.
وفي وقت حرصت دمشق على احتضان الزعيم الدرزي على قاعدة حضوره السياسي والشيعي فيها دون منازع رغم ان تسارعه يتمسك بشعار استراتيجي تجـاهه مفـاده «لا نؤيد جنبلاط في سياسته الجديدة لكننا لن نتركه …» اذ ان هذا الواقع حدا بالقيادة السورية الحفاظ على مـوقع جنبلاط الذي تأثر في التحولات لكنه لم يتأثر بين الاجهزة واقبيتها على غرار فعاليات اخرى في الطائفة.
انما في الوقت ذاته عدم انقلاب النائب جنبلاط في الامس او حتى فيه يبقيه حليفا لرئىس تكتل لبنان اولا ولرئىس الحكومة سعد الحريري وبذلك فإنه ما زال في محور الغالبية او الاكثرية النيابية وبقي في وسط المعادلة السياسية الموزعة بين محوري 14 و8 آذار.
ورغم ان النائب جنبلاط صنف علاقته الجديدة بالرئىس الاسد في خانة علاقته الطبيعية معه كما كانت مع والده الراحل حافظ الاسد فإنه ادرجها ايضا في خانة الواقع الدرزي الممثل في جبل الدروز وقوة هذه الطائفة طالما بقيت سوريا قوية، وبأن نتائج هذه المصالحة تكمن في المستقبل وليس في العودة الى ملفات الماضي.
وعليه فإن النائب جنبلاط في علاقته الجديدة ببعدها الحالي على حلقة مواقف بالامس سيبقى في الوسط محافظا بذلك على حضوره وعبوره نحو خط المصالحات العربية ودخوله هذه المعادلة تفرض عليه الانضمام الى محور 8 آذار او الممانعة بما يعني ذوبانه بين ديناميكية هذه القوى واحجامها الشعبية وقدراتها العسكرية وهو الذي اعاد حساباته على وقع اعمالها الميدانية في عدة محطات داخلية وخارجية.
وايضا وفي الوقت ذاته لا يستطيع الزعيم الدرزي ان يلغي ذاته سياسيا ولا يراعي مشاعر طائفته التي لا تترافق مع حساباته الدفاعية لها وعنها فرئىس الحكومة سعد الحريري ترجم حتى اليوم سياسة «ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، فاستطاع ان يبقى زعيما شعبيا وسياسيا وطنيا في الداخل اللبناني والشارع الاسلامي والعربي وايضا تمكن في المؤازاة ان يكون رئىسا لحكومة لبنان وعلى خط المصالحة العربية والتفاعل بين رؤساء هذه الدول على غرار ما كان لوالده الشهيد من دور في هذا الحقل في موازاة عقبات ما زالت تعتري انطلاق حكومته ويعمل على استيعابها متسلحا بعامل «التجاوب الايجابي» ربما يعدل المعرقلين له عن اسلوبهم ويتحولون نحو منطق التعاون الصريح الذي يترجم القول بالفعل.
وذهب النائب جنبلاط الى سوريا على وقع توازنات جديدة اذ هو لا يستطيع ان يتجاهل مضامين الاحتفال التي اقامته القوات اللبنانية بذكرى حلها والتي عاكست من خلاله عددا من المقولات التاريخية فان الدكتور جعـجع «العين التي تقاوم المخرز»، وكان الحضور السياسي والنيابي واضحا بأن البلاد تعيش حياة سياسية تشهد شحا في الحيوية والديموقراطية لكن في الوقت ذاته لم يعد قادرا على تجاوز كل هذه الوقائع وهـي وقائع بعيدة عن مدى تنامي القوات اللبنانية في مناطق الجبل، بل من خلال الخطاب السياسي للدكتور جعجع، في ظل غطاء رسمي يعكس رفضاً للزمن الماضي الذي رفضه النائب جنبلاط، اذ كان رئيس الهيئة التنفيذية متمسكا بالحقوق الفلسطينية لناحية عدم قـبول هذا الواقع على اي خلفية، وهو موقف يحمل دعما لحق العودة ومنها الدولة الفلسطينية ورفضاً عملياً للتوطين.
من الطبيعي ان يتوقف النائب جنبلاط امام الحضور الناسي التمثيلي في الاحتفال، وان يتوقف حصراً امام اوجاع الدكتور مي شدياق وبالنيابة عن نائب اللقاء الديموقراطي النائب مروان حماده، وان يتوقف امام مشاركة بكركي اي البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، راعي مصالحة الجبل التاريخية، التي يفاخر بها الزعيم الدرزي ولا يتقبل اي مصالحة اخرى، على قاعدة انها تمت بين بطريرك انطاكية وبين زعيم الدروز والتي ايضا سأل خلالها من فجر الكنيسة ورداً مطالبة البطريرك صفير، بعد هذه الجريمة المدروسة لاعتقال الدكتور جعجع سياسيا، الذي خرج منه زعيما مسيحيا له قراره في المعادلة، وحضوره في معظم التحولات الداخلية واحد اركان 14 اذار او «صقورها» الداعمين لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري والحريصين على تقوية مؤسساتها كافة وهو اليوم محاط كأحد رجال الدولة بالقوى الحريصة اسوة به بالتعايش المسيحي – الاسلامي، بعد ان شكلت الخلافات مدخلا لاضعاف لبنان والدولة ومن الطبيعي ان يتوقف النائب جنبلاط امام شجاعة رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي ألقى النائب الدكتور احمد فتفت باسم تيار المستقبل كلمة اكدت على التلاحم في التحالف على عناوين شارك في رفعها النائب جنبلاط.
ومن الطبيعي ايضا، ان يتوقف النائب جنبلاط امام شهامة رئيس حكومة الوحدة الوطنية او اتحادها سعد الحريري، بأن الموت وحده يفصله عن حلفائه في قوى 14 اذار في مقابل كلام جعجع بأنه اذا كان لا بد من الموت فمن العار ان يموت المرء جباناً او راكعاً.
وبذلك فإن النائب جنبلاط الذي اطلق عدة مواقف في اتجاه قوى 14 اذار وامانتها العامة التي تشكل صلة التواصل بين التيارات والمذاهب لهذا المحور، لم يعد بإمكانه سياسياً ان يكون في حالة انقضاض عليها تظهره وكأنه في مصاف الحلفاء المطلوب منهم تنفيذ القرارات او طعن الاصدقاء، بعد ان تفهمت هذه القوى مواقفه وقدرت هواجسه لكونها اسوة به حريصة على الاستقرار في هذا الحقل.