ليس موقفا جديدا، ان البعض في لبنان رفض منذ اليوم الاول لطرح فكرة انشاء محكمة دولية للنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قيام مثل هذه المحكمة، وبدا في العام 2005 وكأنه لا يريد اصلا ان تعبر هذه الجريمة الى محكمة دولية او حتى لبنانية، في المقابل كان هناك فريق آخر يرى ان القضاء اللبناني قادر على «معالجة» هذه «الحادثة» المؤلمة، وليس هناك من داع لادخال لبنان في لعبة الامم، وتشريعه على مختلف التدخلات السياسية والامنية، وهذا الفريق كان منطلقا من مقولة ان اسرائيل تقف وراء هذه الجريمة التي قصد منها هزّ الاستقرار في لبنان، وبالتالي فإن العدالة اللبنانية هي القادرة على كشف مؤامرات الدولة العدوّة.
اما الفريق الثالث، وهو الفريق الذي راجع سجل الاغتيالات في لبنان، فوجد ان اغلبيتها الساحقة، ان لم تكن كلها، ما زالت مسجلة ضد مجهول، او ان المجهول المعلوم فيها، وضعها على الرف طعما للفئران وتآكل الزمن، فوجد ان دق باب المحاكم الدولية قد يكون مفيدا لمعرفة من قتل رفيق الحريري ورفاقه، ومن قتلوا بعده، وقد يكون سببا لوقف دورة العنف في لبنان وترسيخ الحياة الديموقراطية والحريات العامة.
الفريقان الاولان، منذ البداية فتحا النار على المحكمة الدولية، بجميع انواع اسلحة التعطيل، البعض عن خوف من ان تطاله يوما، والبعض الاخر، عن حذر من تمددها الى الوضع الداخلي اللبناني وفي الحالين توحّدت جهودهما، او جمعتهما مصيبة قيام المحكمة، وانطلقا من خندق واحد، اما لعرقلتها، او لتحجيمها، او احتوائها او افراغها من عناصر القوة فيها، وحتى هذه الايام ما زال الهدف واحدا، وهو كيف نرتاح من كابوس المحكمة الدولية.
الفريق الثالث، او صاحب الدم، وبدافع من غضب على حصول جرائم الاغتيال، وخوف من ان يطويها النسيان كما طوى غيرها، دفع بكل قوة باتجاه ان تصبح المحكمة الدولية حقيقة واقعة، وان تدين من اعتقد عن حق او شكوك، انهم وراء اغتيال الرئيس الحريري وكوكبة الشهداء الذين سقطوا بعده اما بالتفجير او بالرصاص، وفي سعيه المحموم هذا، قد يكون وقع بالخطأ والشطط وسوء التقدير والتدبير، وعدم تنبه وادراك لكمائن التمويه وحرف التحقيق عن مساره الصحيح، فظهر ما ظهر من تناوب اكثر من محقق دولي على اجراء التحقيقات، وكل محقق يأخذ طريقا خاصا به لمعالجة هذا الملف، فيضيف شيئا ويسقط اشياء، وبعضهم كان عرضة لشهود الزور ممن تسببوا بدورهم بصدور قرارات وتوقيفات يقال انها طالت ابرياء، ولكنها في الحقيقة طالت سمعة المحكمة ايضا، وارتفع منسوب التجرؤ عليها الى درجة ان المحكمة الدولية من اجل لبنان، اصبحت هي في قفص الاتهام، بدلا من ان تكون هي المدعية والقاضي والديان.
* * *
القاضي، هو الله، جالسا على قوس المحكمة، لان هذا القاضي، عندما يصدر حكمه، ان كان بالاعدام او السجن او الغرامة، فإنما باسم الله والشعب يصدره، وهذا يعني ان القاضي قادر على انتزاع الروح التي لا حق لاحد فيها سوى الله، من هنا ضرورة ان يكون القاضي مثل امرأة قيصر، فوق كل شك او شبهة، ومن واجب الجميع في لبنان وخارجه ان يحموا مثل هذا القاضي، هذا اذا كانوا واثقين من براءتهم، ونظافة ايديهم وارتياح ضميرهم، لان استمرار الوضع في لبنان على هذا الشكل من المس بالمحكمة الدولية والتطاول عليها، وشتمها وتحقيرها، وهي لم تجلس بعد، سيحوّلها الى مكسر عصا «يبلّ يده» فيها كل من يجد ذاته غير مرتاح، هو او من يمثلهم، الى مسار المحكمة في هذا الاتجاه او ذاك.
لا يمكن للشهداء الذين سقطوا في لبنان، ان يتحولوا الى منتحرين.
ولا يمكن لاصحاب الدم، ان يلزموا بنسيان دم اهلهم.
ولا يمكن للبنانيين ان يواجهوا المستقبل بكرامة، ان هم قبلوا الا تظهر العدالة.