#adsense

تقاسم النفوذ: سوريا تشارك في الحكومة وإيران في السلاح

حجم الخط

تقاسم النفوذ: سوريا تشارك في الحكومة وإيران في السلاح
هل تمهّد زيارة جنبلاط لتحويل الأكثرية أقلية ؟

يبدو واضحاً ان الأهم من زيارة النائب وليد جنبلاط لسوريا ولقائه الرئيس بشار الأسد هو ما بعد الزيارة ذاتها التي فقدت وهجها مع الانتظار الطويل وفقدت كذلك عنصر المفاجأة كي توصف كغيرها بالزيارة التاريخية.
فالنائب جنبلاط سيكون سلوكه السياسي واداؤه من الآن فصاعداً تحت مجهر كل الاطراف داخلياً وخارجياً ولاسيما من جانب سوريا، فإما يؤدي حسن السلوك الى فتح صفحة جديدة تمحو آثار الصفحات الماضية من قدح وذم، وإما تبقى هذه الصفحة نسخة وانْ منقحة عن تلك الصفحات.

الواقع ان سوريا ربحت من هذه الزيارة، بأن جعلت زعماء الطائفة الدرزية في خطها فلم يعودوا فريقين، احدهما معها والآخر ضدها، وهذا ما يعزز سياستها ونفوذها في لبنان والمنطقة، فبالاضافة الى وقوف هؤلاء الزعماء معها يقف معها أيضاً زعماء الطائفة الشيعية ونصف زعماء الطائفة المسيحية ويجري تحييد معظم زعماء الطائفة السنية تمهيداً لعودتهم الى الحضن السوري… فلا يبقى عندئذ خارج الخط السوري سوى النصف المسيحي الآخر وتحديداً "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية وبكركي في ظل البطريرك الحالي، اي العودة الى "لقاء قرنة شهوان" الذي قام تأييداً لأول نداء مهم صدر عن مجلس المطارنة الموارنة وكان يدعو الى انسحاب القوات السورية من لبنان، ولم يتم التوصل الى استجابة هذا النداء إلا بعد اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه. وهذا النصف المسيحي لن يعود الى سوريا الا اذ عادت سوريا الى لبنان بسلوك جديد وتعامل يقوم على أساس احترام كل منهما استقلال الآخر وسيادته، لا ان يعود لبنان دولة تابعة والحكومة محكومة كي ينعم لبنان بالهدوء والأمن والاستقرار ويحظى بالرضا، والا واجهته الفوضى والاضطرابات.

لذا تنتظر سوريا من النائب جنبلاط ترجمة لكلامه، بأن يكون مع المقاومة فعلاً لا قولاً ما دامت الحاجة ماسة الى وجودها كما كانت الحاجة ماسة الى وجود الجيش السوري في لبنان فوصف ذاك الوجود في حينه بـ"الشرعي والضروري والموقت"، وان يكون له هذا الموقف في اجتماعات هيئة الحوار الوطني وان تتوقف المطالبة بدمج المقاومة بالجيش او بوضع سلاحها بإمرة الدولة او اعتبار وجوده ضعفاً للدولة بل قوة لها، وان توضع صيغة يتم بموجبها التنسيق بين سلاح الدولة وسلاح المقاومة.

وتنتظر سوريا من النائب وليد جنبلاط أيضاً ان يتخذ وزراؤه في مجلس الوزراء ونوابه في مجلس النواب عند حصول تصويت على اي مشروع او موضوع يهم سوريا موقفاً وسطياً لا يحرجه باعلان خروجه من الأكثرية التي هي حالياً بزعامة الرئيس سعد الحريري ولكن تأييده قوى 8 آذار لتضمن في التصويت أكثرية.

وكانت اوساط سياسية تتمنى لو ان جنبلاط بعد اعترافه بهزيمته السياسية وخسارة رهانه اعتزل ولم يستمر في اللعبة وهو خاسر، لأن من فاز عليه سوف يجعل موقفه الجديد ورقة للمساومة والابتزاز. وهو بذلك لا يكون أول من اعتزل او أول من أبعد نفسه عن اللعبة التي تمارس في ظروف غير ملائمة، فقد سبقه الى ذلك الزعيم البريطاني ونستون تشرشل الذي ربح الحرب وخسر الانتخابات، والرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي خسر الاستفتاء الشعبي، او ان يفعل كما فعل العميد الراحل ريمون اده، حين نفى نفسه طوعاً الى فرنسا لأنه أبى الاستسلام ورفض حتى رئاسة الجمهورية بشروط غيره، فلم يوافق على عقد لقاء مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام يومذاك بسعي من صديقه الحميم الرئيس صائب سلام لأن سوريا كانت هي الناخب الكبير في الانتخابات الرئاسية، فأصر على ان يتم هذا اللقاء في منزله في بيروت وليس في أي منزل آخر ورفض بقاء الجيش السوري في لبنان كي يتولى حفظ الأمن في البلاد كما طلب منه الموفد الأميركي دين براون، وعندما اصبح في باريس رفض عرضاً سورياً يضمن انتخابه رئيساً للجمهورية اذا قبل به وهذا العرض كان ان يعود عن شروطه الثلاثة ليفوز بالرئاسة، وهي: انسحاب القوات السورية والاسرائيلية والفلسطينية من لبنان، وكان جوابه لمن جاءه بهذا العرض: لقد وضعت هذه الشروط الصعبة كي لا انتخب رئيساً للجمهورية، لأنني غير مستعد لأن أكون رئيساً يملك ولا يحكم ولا ان أكون رئيساً بمثابة محافظ عند الرئيس حافظ الأسد…
ولم يستسلم الرئيس صائب سلام للضغوط السورية فغادر لبنان الى سويسرا بعدما عقد مؤتمراً صحافياً وجّه فيه الكلام الى سوريا قائلاً: "انني مستعد لأن أكون صديقاً لا ان اكون تابعاً"… وان يفعل أيضاً ما فعله والده كمال جنبلاط، الذي كان في صدد الذهاب لبعض الوقت الى الهند من ان يبقى في لبنان تحت رحمة سوريا.

لذا، كان في استطاعة وليد جنبلاط، وهو الزعيم اللبناني الكبير في رأي الأوساط نفسها ألا يستسلم، بل ان يسلم نجله تيمور دفة الزعامة حتى ولو بدأ من الصفر في بناء زعامته، ولا يفرض على نفسه ما يشبه توقيع معاهدة صلح بين غالب ومغلوب…

الواقع ان عودة النائب جنبلاط الى الحضن السوري نادماً على ما فعل، سوف يخلّ بالتوازن السياسي الداخلي عاجلاً أم آجلاً ويجعل قوى 14 آذار تتألف من زعامة سنيّة وزعامة لنصف المسيحيين وينقصها تمثيل درزي وشيعي، وهو ما يجعلها غير صالحة لتشكيل حكومة منها لأنها تكون قد فقدت ليس الأكثرية فحسب بل تمثيل كل المذاهب في اي حكومة، كي تكون ميثاقية وشرعية.

ويمكن القول من جهة أخرى، ان سوريا ابقاء منها على تحالفها مع ايران فانها تقاسمت النفوذ معها في لبنان حتى اشعار آخر، فسوريا تشارك في الحكومة بثلث اعضائها عند اتخاذ القرارات وايران تشارك من خلال سلاح "حزب الله" القيادة العسكرية اللبنانية في اتخاذ القرارات وهو سلاح يشكّل "الثلث المعطل" أيضاً في الشارع عند الضرورة، كما تشكل سوريا الثلث المعطل داخل الحكومة اذا لم تعجبها القرارات وليس على لبنان في وضعه الراهن سوى ان ينتظر ويراقب…

المصدر:
النهار

خبر عاجل