Site icon Lebanese Forces Official Website

مبادرة لبنانية – سورية… لِمَ لا ؟

لا يحتاج المرء إلى شهادات من الآخرين حول أهمية تطوير العلاقات اللبنانيّة – السوريّة، فبين البلدين تاريخ طويل يمكن ترسيخه وتنقيته ليصير صلباً مثل الجغرافيا وقاعدة تحتذى في العلاقات العربية، تماماً كما قال الرئيس بشار الأسد يوماً وكما يريد الرئيس سعد الحريري ويسعى.
وهكذا عندما وقف السناتور جون كيري في دمشق ليعرب عن أمله في أن تتمكن الزيارة المقبلة للرئيس الحريري لسوريا من تعميق التقدم وترسيخ التعاون بين البلدين، كان الحريري في بيروت يبلغ مجلس نقابة الصحافة أنه يتطلّع إلى أفضل العلاقات مع سوريا، وهي العلاقات التي تبنى على خدمة مصالح الشعبين والدولتين.

وإذا كانت الزيارة الأولى التي قام بها الحريري لدمشق قد اكتسبت أهمية كبيرة لأنها شكّلت قاعدة الجسر المرمّم الذي تقوم عليه العلاقة بين البلدين، وفي إطار من الود والحرارة الشخصيّة وفي سياق تصحيحي يرسي قواعد العلاقة التي تحتذى فعلاً، فإن زيارته الثانية، التي يرافقه فيها وفد وزاري فضفاض، لها أهميتها العملية لأنها ستركز على تطوير الاتفاقات القديمة وتوقيع اتفاقات جديدة من شأنها تنظيم العلاقات بين البلدين.

❑ ❑ ❑

يشكّل انتظام العلاقة بين سوريا ولبنان واحداً من أبرز المداخل الحيويّة لإعادة ترتيب أوضاع "البيت العربي" في هذه المرحلة الدقيقة والحاسمة، كما يشكّل استطراداً ضرورياً لخط المصالحة والتضامن الذي رسمه خادم الحرمين الشريفين في قمّة الكويت كما هو معروف.
وإذا كان هناك من يصاب بالدوار السياسي في أوساط المعارضة اللبنانية لمجرد قيام هذه العلاقة بين الرئيسين الأسد والحريري، فإن كلام الحريري عشيّة زيارته لدمشق قد سبب مزيداً من الدوار لهؤلاء وخصوصاً عندما يقول: "(…) إن العلاقات الشخصية مع الرئيس الأسد ستوظّف لتخدم بشكل أفضل المصالح المشتركة بين البلدين. وإن مقاربة هذا الموضوع لا يصحّ أن تتم إلاّ بشكل إيجابي. وعلينا أن نتعلم من التجارب السابقة ونتطلع إلى مستقبل أفضل".

❑ ❑ ❑

وفي الواقع، تأتي زيارة الحريري لدمشق متزامنة مع تطورات ساخنة ومهمة على مستوى المنطقة وفي سياق يتصل بما يمكن إعتباره أزمة في العلاقة الشخصية بين الرئيس باراك أوباما وبنيامين نتنياهو.

وإذا كانت هذه الأزمة قد نشبت على قاعدة تمسّك إسرائيل بسياسة الاستيطان في القدس، وبطريقة كانت بمثابة توجيه صفعات متلاحقة إلى الإدارة الأميركية، فإن المطالب الأميركية من نتنياهو لا تزال تنتظر رداً يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يتحايل للتملّص منه، في وقت تتحرك الدوائر الصهيونية وفي مقدمها منظمة "إيباك" لمحاصرة الرئيس الأميركي داخل الكونغرس وفي وسائل الاعلام، بهدف ثنيه عن مواصلة الضغط على إسرائيل لتستجيب المطالب الـ 11 التي تتضمن إصراراً على وقف الاستيطان في القدس لمدّة أربعة أشهر، بما يسمح بمعاودة المفاوضات على المسار الفلسطيني.

وفي ظل الحديث الآن مرّة أخرى عن إمكان قيام إدارة أوباما باللجوء إلى نظرية الحلّ المفروض، وهو الأمر الذي يفرض ليّ ذراع نتنياهو بالضرورة، تبدو هذه الإدارة في حاجة إلى موقف عربي يدعم هذا الإتجاه ويشجّع عليه.

يعرف الرئيس الأسد، كما يعرف الرئيس الحريري، أن القمّة العربيّة الأخيرة لم توفّر أو بالأحرى لم تبلور موقفاً داعماً لأوباما في مواجهته مع تل أبيب. ولأن مساعي التسوية تشمل المسارين السوري ثم اللبناني بعد المسار الفلسطيني، فإن كلمة دمشق وكلمة لبنان يمكن أن تشكّلا فرقاً في دعم اتجاهات الضغط الأميركي على إسرائيل.

ما أعلن في دمشق بعد محادثات جون كيري من أن الأسد أكد أهمية الدور الأميركي الداعم للسلام، وأن سوريا تسعى لتحقيق السلام العادل والشامل، يشكّل في الواقع منطلقاً لبلورة موقف سوري ولبناني يدعم أوباما ويكشف سياسية العدوان والتوسع التي تطبقها إسرائيل.
وإذا كان الحريري جدّد التأكيد خلال لقائه مجلس نقابة الصحافة على مواجهة التهديدات الإسرائيلية بموقف موحّد، فقد يكون من المفيد بلورة موقف موحّد لبناني – سوري من المساعي الأميركية التي تصطدم بالتعنّت الإسرائيلي.

❑ ❑ ❑
لا يجوز الاكتفاء بمراقبة المواجهة المحتدمة بين أوباما ونتنياهو. ولا يكفي إصدار بيان يؤيد اتجاهات الإدارة الأميركية. ويعرف الرئيس الأسد صاحب المسار الذي تمسك دائماً بمبدأ التسويّة العادلة والشاملة، كما يعرف الرئيس الحريري وهو الآن صاحب المسار الذي أوضح دائماً أنه آخر من يوقّع، وعلى قاعدة تسوية تستجيب المطالب والحقوق الفلسطينيّة والعربيّة، يعرف الرئيسان أن هناك حاجة ملحّة إلى مبادرة أو تحرك يوفّر أقصى الدعم لإدارة أوباما. ولأنهما يملكان مساري التسوية التي لن تتحرك قبل رضوخ إسرائيل لمتطلبات تقدّم المسار الفلسطيني، فإننا نأمل أن تبلور المحادثات التي سيجريها الحريري في دمشق، إضافة إلى ترتيب علاقات البلدين، موقفاً سورياً لبنانياً مشتركاً يبرز مثلاً عبر تحرّك في اتجاه عواصم القرار والأمم المتحدة ويوفر ما يساعد أومابا على ليّ ذراع نتنياهو.

Exit mobile version