الـــوضـــع الــمــســيــحــي عــمــومــاً والماروني خصوصاً ليس على أفضل ما يرام ولكنه ليس بالسوﺀ الذي يتصوره البعض ويتحدثون عنه.
وفي الفترة الاخيرة لاحت مؤشرات ايجابية ومشجعة تــدل إلــى ان المسيحيين غادروا مرحلة الاحباط ليستعيدوا تدريجاً زمام المبادرة، وانهم باتوا على أهبة الخروج من مرحلة الانقسام والتشرذم للدخول في مرحلة المصالحات والتلاقي…
مــا يــدعــو إلـــى الــتــفــاؤل، هــذا الــتــحــول الملموس فــي الخطاب السياسي للزعماﺀ الموارنة الذي ينحو إلــى الــواقــعــيــة والاعــتــدال والانفتاح والكلام الهادف. لا يخلو الامر من تباينات سياسية وخلافات في الرأي ومن منافسات حادة وسط طموحات مشروعة، ولكن كل ذلك يجري بطرق حضارية على قاعدة الاعــتــراف والاحــتــرام المتبادلين.
فلا أحد يمكنه الغاﺀ أحد وشطبه من المعادلة، والكل يحترم حق الاختلاف لا الخلاف، وابقاﺀ هذه الاختلافات في الاطــار السياسي والديمقراطي. والكل ملتزم مبدأ التنوع ضمن الوحدة. فهذا دليل غنى وعافية في الساحة المسيحية وعنصر تفوق لديها على الساحات والطوائف الاخــرى التي تحكمها أحادية الزعامة والمرجعية.
ما يدعو إلى التفاؤل أكثر، هذا التلاقي العفوي والموضوعي الذي حــصــل ويــحــصــل بــيــن الــقــيــادات والاحــزاب المسيحية حول ملفات ومـــســـائـــل حـــســـاســـة ودقــيــقــة تعني المسيحيين في واقعهم ومستقبلهم، في موقعهم ودورهم، مثل الــغــاﺀ الطائفية السياسية وخفض سن الاقتراع واللامركزية الادارية والتجنيس وغيرها، صحيح ان الموقف الواحد غير منسق ولم تسبقه اتصالات ولــقــاﺀات، ولكن اهميته تكمن فــي انـــه كــذلــك، ويعكس التزاماً شاملاً بمصالح المسيحيين ووعياً وادراكاً عميقاً للمخاطر وما يمكن ان يشكل مصدر قلق وتهديد لهم.
ويكفي ان يتوحد المسيحيون فــي الامـــور الاســاســيــة والقضايا الــجــوهــريــة الــكــبــرى الــتــي تمس وجودهم وامنهم السياسي لأن الاتــفــاق فــي هــذه الــمــجــالات هو الاساس والجوهري والباقي تفاصيل وقشور، ولأن وحدة الموقف تتحقق من خلال وحدة الاهداف والتطلعات ولا تعني ابداً ان يتكلم الجميع لغة واحدة خشبية كانت أم منمقة…
ومــن خــلال هــذه المواقف في القضايا الكبرى ومن هذه البوابة يكون العبور الفعلي إلــى عملية المصالحات وإلــى مساحة وطنية وسياسية مشتركة تتاح خارجها هوامش حركة ومــنــاورة لمختلف القوى والاطراف…
الــمــســيــحــيــون بــاغــلــبــيــتــهــم الساحقة لا يــريــدون مصالحات للصورة، مصالحات فارغة تنتهي مفاعيلها معها، وانما مصالحات تجمع الشمل وتستند إلى اساس سياسي ولا تتجاوز سقف المرحلة ومــقــتــضــيــاتــهــا. والــمــصــالــحــات الفعلية الراسخة هي التي تتحقق بالاحتكام إلــى مرجعية بكركي والالتفاف حول رئاسة الجمهورية.
فعلى المسيحيين استلهام مبادئ وثــوابــت البطريركية المارونية وخطها الــتــاريــخــي الـــذي خطته ورســخــتــه تـــجـــارب قــاســيــة على مر الاجــيــال والسنين… ما يقوله البطريرك الماروني مــار نصرالله بطرس صفير هو الحقيقة المجردة والموقف المنزّه عن مصالح وغايات شخصية… ومــا يفعله البطريرك صفير هو دائماً في سبيل المصلحة الوطنية العليا والخير العام ومن اجل الحفاظ على الكيان اللبناني واستقلاله وديمومته…
وعلى المسيحيين ان ينصتوا إلـــى صـــوت بــكــركــي وان يصغوا إلى نصائحها ودعواتها وأولاهــا ما يتصل بانخراطهم الفاعل في مؤسسات الدولة واداراتــهــا لملﺀ فراغات المرحلة السابقة وتعويض نقص فادح تراكم على مر السنوات.
فليس الا الدولة ما يشكل ضمانة وحــمــايــة للمسيحيين، ولــيــس الا الانــخــراط الــقــوي للمسيحيين فــي مــشــروع الـــدولـــة واداراتـــهـــا ومؤسساتها الادارية والعسكرية وعــلــى رأســهــا مــؤســســة الجيش اللبناني والتفاعل الايجابي معها ما يقوي دورهم وحضورهم ويجعلهم اصــحــاب تــأثــيــر ونــفــوذ فــي قــرار الدولة ومراكزها. على المسيحيين ايــضــاً دعــم رئــاســة الجمهورية والالتفاف حولها بكل ما أوتوا من قــوة وتصميم لأنها مرجعيتهم في الحكم والدولة واليها يلوذون ويحتكمون كل مرة واجهوا فيها خطراً أو شعروا بقلق واضطراب.
الدعم الشعبي والسياسي هو الذي يمد الرئيس بالقوة… والرئيس القوي هو الذي يشعر المسيحيين بالأمان والاستقرار. وعبثا البحث عن مصادر قوة وحماية خــارج رئاسة الجمهورية وبمعزل عنها. والمعادلة واضحة كل الوضوح: الطريق إلى الدولة القوية القادرة العادلة تمر في بعبدا… ولكن مع رئاسة قوية فــي صــلاحــيــاتــهــا وفـــي الــتــفــاف اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً من حولها اذا ارادوا للبنان قيامة حقيقية ولأولادهم مستقبلاً أفضل…