#adsense

العرب و”وصفة” أردوغان

حجم الخط

في غفلة من العرب، لا من الزمن، طاب لرئيس وزراء تركيا، المتوّج بقيادة أكبر حزب إسلامي في السلطنة الجديدة، أن يعيد إلى الذاكرات والأذهان والساحات الضاجّة بالفراغ شيئاً من تلك الحقبة الجامحة حيث كانت الحناجر تصدح "أمجاد يا عرب أمجاد".

وحيث كانت الألوف المؤلّفة تدلف الى الشوارع والباحات مردّدة مع ملهم العرب في الخمسينات الرئيس جمال عبد الناصر شعارات الوحدة من المحيط الهادر الى الخليج الثائر… لبّيك عبد الناصر.

لم يحد مصطفى كمال أتاتورك المرحلة، وهو يفتح أوّل قناة تركيّة تبث باللغة العربية، ما يهديه الى الاتراك والعرب معاً في هذه المناسبة أفضل من القول "من دون العرب لا معنى للعالم".

بحماسة قالها رجب طيّب أردوغان. وبصدق قالها. وللعرب لا للعالم قالها. وبرغبة وعاطفة وتمنّ قالها. واعتقاداً منه انه لا يخاطب فراغاً، ولا يوجه كلامه الى أُناس فقدوا فضيلة السمع والاصغاء منذ عقود النكبة والنكسة والهزيمة.

ولكن، ولكن مَنْ ذا الذي يستطيع اقناع العرب أنهم هم ذاك "المعنى" الذي عناه أردوغان، وقصده. وباقتناع صوّر لهم أنهم بحجم "المعنى" والمضمون اللذين لا يبقى للعالم من دونهما ما يميّزه، أو يبرّر استمراره.

فجَّر فينا رئيس الوزراء التركي حنيناً مُدّمّى بالأسى والحزن واليأس الى تلك الحقبة التي شهدت نشوء أجيال وعقائد قوميّة جديدة، مثلما رعت انتفاضات صادقة ومجلجلة ملأت العالم العربي في الاربعينات والخمسينات، حتى دوّى صداها في أرجاء العالم بأسره.

وعاد بنا هذا القائد التركي المميّز الى بزوغ فجر القومية السوريّة والأمة السورية العظيمة، والى حيث كانت أولى الخطوات وأول الهتافات التي يعود الفضل فيها الى الزعيم الخالد انطون سعادة، الذي حاصرت بضع كلمات وبضعة أسطر منه مع بضعة رجال وبضعة شبان بأس الانتداب الفرنسي وبطشه، ثم نفوذ الاستعمار البريطاني وتقسيماته المسمومة.

ثم تلت هذه الولادة الساطعة ولاداتٌ وصيغٌ غير متبلورة للأمة العربيّة والقوميّة العربيّة، أطلّت فكراً وفكرة مع الاستاذ زكي الأرسوزي، حتى تبنّاها الدكتور قسطنطين زريق بألمعية ورقيّ وصلابة في الثقافة والمعرفة.

الى أن انتشرت انطلاقاً من عناوين فعّالة في الجامعة الأميركيّة، وحيث أدركها الاستاذ ميشال عفلق، وأهداها مع الأمة والعروبة والتاريخ والجغرافيا الى حزب البعث الغنيّ عن التعريف، والغنيّة عن التذكير انقساماته وانقسامات العروبة والقومية والأمة على أيدي نفر من قيادييه وجنرالاته.

إلى أن حلّ انقلاب محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات وعبد الكريم عامر وصلاح سالم في قصر عابدين، بعدما خلعوا الملك فاروق و"عينوا" عبد الناصر ملكاً ورئيساً وزعيماً وقائداً ومفكّراً لهذا البحر المتلاطم من الشعوب والرمال والكبت والاضطهاد. ووحيداً أوحد.

فكان من الحتمي والبديهي انتشار "موضة" الانقلابات – الثورات، وكلها تحت راية الناصرية، وراية العروبة، وراية الوحدة… حتى كان ما كان من المغامرات والهزائم، والانكسارات، والتشرذم، والتباغض، فيما كانت اسرائيل ولا تزال ترسخ اقدامها في فلسطين السليب، وتدنّس بمستوطناتها القدس المقدسة في غربها وشرقها.

"من دونكم لا معنى للعالم"، قال أمس أردوغان، متذكراً ست الدنيا بيروت، مؤكداً ارتباط مصير اسطنبول بالقاهرة وبيروت ودمشق والقدس ومكّة والمدينة وطرابلس الغرب وبغداد والخرطوم…
"إنك تبكي كالنساء ملكاً لم تعرف كيف تحافظ عليه كالرجال"، قالت أم عبد الله لآخر ملوك الأندلس وهو يجرجر دموعه وأذيال الهزيمة.

بعد هذا الشريط الطافح بالخيبات والخسارات يطل رجل تركيا الأول ليقول للعرب "من دونكم لا معنى للعالم".
يبقى المهم، والمهم هو أن يسمع العرب، وأن يصدقوا "وصفة" أردوغان، من غير أن يعقّبوا: أين الدنيا وأين أهلها…

المصدر:
النهار

خبر عاجل